ضعاف النفوس يرون في أنفسهم ما لا يراه غيرهم فيها.
يرون أنهم عظماء، وليس لهم من أسبابها (2) نقيرٌ ولا قطمير (3) .
يرون أنهم علماء، والجهل قد خُيِّمَ على نفوسهم. كالضباب في يومٍ داجنٍ (4) ألبسَ الأرضَ وأقطارَ السماءِ أرديةَ العماءِ (5) .
ويرون أنهم أُناسِيُّ (6) ، والملكاتُ الحيوانيةُ قد ملكت أَعِنَّة نفوسهم (8) ، وأخذت بأزمّة أفئدتهم (9) ، وسيطرت على طباعهم، وتركت سباعَ شهواتهم تفترسُ عقولَهم، وتمزِّقُ رداءَ إنسانيتهم. فهم في الضلال يَهِيمون (10) ، وفي ظلمات الفسوق والعصيان يتسكعون (11) .
وما ذلك كلُّه إلا من غرور النفس وطمعها بالباطل. وهو خلقٌ سافلٌ يُوْدِي بما في النفوس من ذَمَاء الفضيلة (12) ويقضي على ما فيها من أمل السعادة، ويمحو ما لِأَصحابها من بقية الحرمة في نفوس العقلاء.
(1) الغرور: أن يرى الإنسان في نفسه من الفضائل ما ليس فيها.
(2) الضمير في أسبابها يعود إلى العظمة المفهومة من العظماء.
(3) النقير: النقرة في ظهر بزرة التمر ونحوه - والقطمير: القشرة الرقيقة بين البزرة والتمرة.
(4) الضباب: السحاب يغطي الأرض كالدخان - يوم داجن: كثير الغمام.
(5) أقطار السماء: نواحيها وجوانبها - والأردية: جمع رداء - والعماء: السحاب الكثيف.
(6) الأناسي: الناس، والمفرد: إنسان.
(7) الملكات: جمع ملكة، وهي: الصفة الراسخة في النفس.
(8) الأعنة: جمع عنان، وهو سير اللجام الذي تمسك به الدابة.
(9) الأزمة: جمع زمام، وهو العنان - والأفئدة: القلوب، ومفردها: فؤاد.
(10) يهيمون: يذهبون لا يدرون أين يتوجهون.
(11) يتسكعون: يتخبطون لا يهتدون لوجهتهم.
(12) يودي به: يهلكه ويذهبه - والذماء: بقية الروح.