الصفحة 48 من 137

ومما يُؤَثِّر في النفس تأثيرا غير صالح، أن طائفة من الشبان - الذين هم عمادُ الأمة، ودعامةُ حياتها القابلة، وركنُ سعادتها في الآتي - قد أصابهم نصيبٌ وافرٌ من هذا الخلق - خلُقُ الغُرُور والغَرور (1) -، ومَرَنُوا على هذه العادة (2) حتى صارت لهم طبيعةً يصعُبُ استئصالُها (3) ، لأنها تأصلت في نفوسهم (4) ، وتمكنت جذورُها من قلوبهم (5) فَنَفَرت منهم، بسبب ذلك، الأمة، وجفاهم من كان منهم قريبا، واجتواهم من كان لهم صديقا حميما (6) .

يَدْرُسُ أحدهم من العلم مسائلَ قليلةً لم يتقن درسَها، ولم يُحْكِم (7) فهمها، فَيُرِيْكَ أنه علامة الزمان، وفيلسوف الوقت.

ويقرأ قليلا من الأدب والتاريخ، فيضع نفسه موضع كبار الأدباء.

ويَنْظِم كلاما على وِزَان البحور المعلومة، أو يَكْتُب سطورا يَنْشُرُها في الجرائد، وليس في نظمه شيءٌ من الشعر، ولا في كتابته مغزًى تصبو إليه النفسُ (8) . وأكثر ما يُسَمِّيه شعرا أو إنشاءً، يفيض خطأً معنويا أو لفظيا، أو يكون مملوءا مَنْهُومًا معا - مع هذا - يَدَّعِي، غير خَجَل، أنه أَكْتَبُ كُتَّابِ الْعَصْرِ، وَأَشْعَر شعراء الزمان لا يطاوله (9) في ذلك مُطَاوِلٌ، ولا ينازله مُنَازِلٌ.

ويتصدّر قومٌ في المجالس العامة والندوات الخاصة (10) فيتكلمون في كل موضوع، ويهيمون في كل وادٍ؛ فتارة تراهم مُحَلِّقِين في السماء، وطورا غائرين في بطون الأرض، وآونةً يبحثون في تاريخ الأمم، ما مضى منها وما حضر، ثم ينتقلون من ذلك إلى علوم الأدب وتاريخها، ثم إلى علوم الدين وتفاريعها، ثم

(1) الغرور - بفتح الغين - ما يغرّ الإنسان ويدفعه إلى الباطل.

(2) مرنوا: اعتادوا.

(3) استئصالها: نزعها.

(4) تأصلت: ثبتت أصولها وتمكنت.

(5) جذورها: أصولها.

(6) اجتواهم: كرههم - والحميم: الصديق.

(7) لم يحكم: لم يتقن.

(8) تصبو: تميل.

(9) لا يطاوله: لا يفاخره.

(10) الندوات: جمع ندوة: وهي المجلس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت