إلى الفلسفة بأقسامها، فَيَخْبِطون في كل ذلك خَبْطَ عشواء (1) في لسلة عمياء، ليقول الناسُ إنهم علماء.
وترى شِرْذِمَةً من الأنانيين (2) قَدَمُها في الماء، وأَنْفُها في السماء، وهي حُثَالَةُ السفهاء (3) تَختال (4) اختيال الجبابرة (5) ، وتبطُشُ بطش القساورةَ (6) ، وتجلس جِلسةَ الأكاسرة (7) وتمشي مِشْيةَ القياصرة (8) ، وهي لا في العير ولا في النفير (9) .
وإن سألتَ أحد هؤلاء الأنانيين عن سبب هذه الكبرياء أجابك: إن هذا من الإباء (10) وما الإباءُ لو يَعلَم إلا تطهيرُ النفس من الأدناس (11) وتنزيهُها عن الأرجاس (12) وحملُها على معالي الأمور لتأبى الضَّيم (13) ، فلا تقيم على الخسف (14) ولا ترضى بالذلّ، ولا تميل إلى شائن الأفعال، بل تأخذ بزمام صالح الأعمال، وتسير في مناهج (15) فاضل الأخلاق.
(1) خبط عشواء: مثل يضرب لمن يضرب في الأمور على غير بصيرة. والعشواء: الناقة التي لا تبصر ليلا.
(2) الأناني: الذي لا يرى غير نفسه، فهو يقول: أنا أنا.
(3) الحثالة: سفلة الناس، وأصل معناها: ما يخرج من قشرة الشعير ونحوه.
(4) تختال: تمشي مشية الخيلاء والعجب والكبر.
(5) الجبابرة: جمع جبار، وهو القهار، والمتعالي عن قبول الحق، ومن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها، وهذا لا يقال إلا على طريق الذم. وأما الجبار في صفة الله سبحانه فهو صفة مدح، لأنه القاهر فوق عباده، يسير بحسب مشيئته وإرادته.
(6) القساورة: الأسود، والمفرد: قسورة.
(7) الأكاسرة: جمع كسرى، وهو لقب لكل من ملك الفرس.
(8) القياصرة: جمع قيصر، وهو لقب لكل من ملك الروم.
(9) العير: القافلة من الدواب تحمل الميرة - والنفير: القيام العام لقتال العدو. وقولهم: هو لا في العير ولا في النفير، مثل يضرب لمن يحط أمره ويصغر قدره ولا يصلح لهم.
(10) الإباء: الامتناع مما يشين.
(11) الأدناس: الأوساخ، والمفرد دنس - بفتح الدال والنون -.
(12) الأرجاس: الأنجاس، والمفرد رجس - بكسر الراء وسكون الجيم -.
(13) الضيم: القهر والظلم والذل.
(14) الخسف: تحمل ما يكره، والنقيصة، والذل.
(15) المناهج: جمع منهج، وهو الطريق الواضح.