نظرتُ في أخلاق الناس، ونَقَّبْتُ عن نفوسهم، فَلَمْ أَرَ نفسا لَمْ تَدَّعِ الشرفَ.
سَلْ العالِمَ والجاهل، والصالح والطالح، والمخلص والمنافق، وكلَّ من اتصف بِخَلَّةٍ (1) حميدة أو ذميمة، يُجِبْكَ أنه شريف النفس.
لكل إنسان أن يدَّعي هذه الدعوى، غير أنه ليس لكل إنسان أن يُصَدِّقها، ما لم يحقق الخبرَ الْخُبْرُ (2) ، وإلا، اختلط الحابل بالنابل (3) ، والفارس بالراجل (4) .
يزعم كثير من الناس أن الشرف إنما هو بما عِنْد الإنسان من الثروة، وبقدْر ما لديه منها يختال عُجْبًا (5) ويَميْسُ فخارا (6) ، فهو يحتقر الضعفاءَ، ويزدري الفقراء.
ومن الغريب أن يجدَ هذا الشريفُ الواهمُ نُصَراءَ يرفعون من مقامه، وأذلّاءَ يسجدون أمام قدميه، وربما لا ينالهم من عملهم هذا ما يستعينون به على سدّ عَوَزِهم (7) ، وإصلاح معايشهم، وإنما هو النفاق أو الذلّ، وما ذلك إلا من فسادٍ في تربيتهم، ومرضٍ في أخلاقهم.
ولو يعلم من يدّعي الشرفَ - لِوُفور ثروته (8) - أنه إِنْ يَقْلِبْ له الدهرُ ظَهْرَ
(1) الخلة: الخصلة، والجمع: خلال.
(2) الخُبْرُ - بضم الخاء - الأخبار.
(3) الحابل: الصائد بالحبالة، وهي الشبكة. والنابل: الرامي بالنبل.
(4) الفارس: الراكب الفرسَ. والراجل: الماشي على رجليه.
(5) يختال: يتكبر ويتبختر.
(6) يميس: يتمايل عجبا.
(7) اَلْعَوَز: الحاجة.
(8) الوفور: الكثرة.