المِجَنّ (1) ، ويُكَشِّرْ له الزمانُ عن نابه، فيصبح فقيرا بعد الغنى، محتاجا بعد الثروة، يَخْفِضْه (2) من كان له رافعا، ويَنْأَ عنه من كان منه دانيا (3) ، لأَقْلَع (4) عن الفَخَار، ولبس هذا الدِّثَار (5) .
ويظن آخرون أن الشرف هو ما أوتي (6) الإنسان من قوة في بدنه، فهو يحتقر الضعفاء، وإن كان لديهم من العقل ما يَطُوْلُون به الجوزاءَ (7) .
ولو علم أن الأسد أجرأ منه وأقوى، وأن الجمل أصلبُ عُوْدًا، وأضخم جسما وأروعُ هَيْئَةً (8) ، فهما أولى منه بذلك، لَرَجَعَ عما يَدَّعيه صاغرا، وترك الفَخارَ بالقوة والبطش.
ويَخَال قومٌ أن الشرف في أن يَشْفِي المرءُ بمرض الأمة، ويحيا بموتها، ويقوى بضعفها؛ ويرتفع بانحطاطها، ويَعِزُّ بِذُلِّها، ويَمْجُدُ بسفالتها (9) .
ولو فَكَّروا قليلا لعلموا أنهم مخطئون، وفي غرورهم (10) يعمهون (11) ، فالشريف إنما يَشْرُفُ بشرف الأمة، ويحيا بحياتها، فإن هانت هان، وإن ماتت مات.
إن الشرف الصحيح، والمجد الرجيحَ (12) لا يكونان إلا لِمَنْ توفرت (13)
(1) قلب له ظهر المجن: تغير عليه أو أساء إليه. والمِجَنّ: الترس. وهذا مثل يضرب لمن ساءت حاله بعد الإصلاح.
(2) يخفضه: جواب الشرط، وهو: إن يغلبْ.
(3) يَنْأ: يبعد. ودانيا: قريبا.
(4) لأقلع: جواب.
(5) الدثار: الثوب.
(6) أوتي: أعطي.
(7) يطولون: ينالون. والجوزاء: برج في السماء.
(8) أروع: أعجب وأفزع.
(9) يمجد: يشرف.
(10) الغرور: الباطل. وتزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب.
(11) يعمهون: يتحيرون ويترددون في الضلال.
(12) الرجيح: الرزين.
(13) توفرت: كثرت واتسعت.