لست أعني بالصدق والكذب - في هذا المقام - ما هو معروفٌ لكل واحد، فإن هذا الأمر من البديهيات التي يعرفها البيانُ. وإنما أعني بهما صدق الفعل وكذبه. نتيجتان للقول في حَالَيْ صدقِه وكذبِه.
ولا تقل لأحد: إنك صادقٌ أو كاذب، حتى ترى صدقَ عمله أو كذبه. ولا تصف قولا بصدقٍ أو كذبٍ، حتى ترى أَثَرَه، لأن القولَ تعظمُ قيمتُه، أو تصغُر، بنتيجته. ولا يصدق القول حتى يصدق العملُ.
صدق الفعل نتيجةٌ لازمةٌ لأصحاب الإرادة، الذين لا يحولُ بينهم وبين تحقيق ما يقولون حائل.
نرى كثيرا من الناس - حتى مَن لهم منازلُ عاليةٌ، بسبب ما يتقلدونه من الأعمال السامية - يقولون ما لا يفعلون وإن طالبتهم بإنجاز أقوالهم، والوفاءِ بوعودهم، غاصوا على انتحال الأعذار، ولجأوا إلى ما طبعوا عليه من الرياء والنفاق وأضاعوا الأوقاتَ في ترويج المعذرات. وما ذلك إلا من ضعف الإرادة في نقوسهم، وعدم تعوّدهم صدقَ القول ليصدُق الفعل.
إن أجاب الإنسانُ بالسلب، حين يُسْأل إنفاذ أمر، فلا يلومُهُ أحدٌ. بل يكون الردّ خيرا من وعيدٍ يتبعه المِطَالُ والتسويفُ (1) . وإنما يُلام أشدّ اللوم من قال: أفعلُ، ثم نكص على عقبيه (2) ، ولم يَفِ بما وعد به. وما إخلافُ الوعد مِن دأْب (3) الرجال الكملة، وما الكذبُ إلا من أخلاق السفلة (4) .
(1) المِطال: المماطلة. والتسويف: أن تعد أحدا بعد مرة بقولك: سوف أفعل.
(2) نكص على عقبيه: رجع.
(3) الدأب: العادة.
(4) السفلة - بفتح السين وكسر الفاء وبكسر السين وسكون الفاء: الأسافل والغوغاء والأوباش. وأما السفلة - بفتح السين والفاء - فجمع سافل: ضد العالي.