رأيتُ كثيرا من الناس يَسُرُّهم المدح، وإن كان بالباطل، ويسوءهم الانتقاد، وإن تجسّم في الحق. وما ذلك إلا مِن غرور النفس وَوَلَعِهَا بالباطل.
المغرور يُطْرِبُهُ التقريظ، ويُرَنِّحُه المدح (2) . فكأن الثناءَ عليه راحٌ (3) ، متى خالطتْ جوفَه ظَنَّ أنه ملك البسيطةَ ومن عليها. وما يستحقّ - لو أنصفه مُقَرِّظُهُ - غير الصفع والصقع (4) . وإن انتقد عليه أحد عمله، وأبان له طريقَ الرُّشْد فيه، عَبَسَ وَبَسَرَ (5) ، وولّى واستكبر، واستشاط غَضَبًا وَزَمْجَر (6) .
أما العاقل الخبير، فلا يَسُرُّه من يمدحه، لأن المقرّظ لا يذكر إلا حسناته، ويطوي كشحا (7) عن ذكر سيئاته. والمرء أدرى بما له من الحسنات، فلا يحتاج فيها إلى إثبات، وإنما يُلَذِّذُهُ (8) أن يرى ما يقابله بالانتقاد الصحيح، لأن المنتقد يُظْهِر له عيوبه، ويوضح خطأه، وينشر ما طُوِيَ من زلّاته (9) ، فمتى عَلِمَها اجتنبها، وباعد ما بينه وبينها. فيطهُرُ بذلك من وَضَرِ العيوبِ (10) ، وينقى من جرائر السيئات. وصديقك من صَدَقَك، لا مَنْ صَدَّقَك.
لولا الانتقاد لظلّ الناس في الغرور سادرين (11) ، وللآثام مرتكبين، وعن
(1) التقريظ: المدح في حياة الممدوح بحق أو بباطل.
(2) يُرَنِّحه: يجعله يتمايل.
(3) الراح: الخمر.
(4) الصفع: الضرب على القفا بجمع الكف - الصقع: الضرب على الرأس ببسط الكف.
(5) بَسَر: قطب وجهه وتكره.
(6) استشاط: التهب واحترق - وزمجر: أكثر الصخب والصياح.
(7) طوى عن الأمر كشحا: تركه وأهمله.
(8) يلذذه: يجعله يلتذ.
(9) الزلات: السقطات.
(10) الوضر: الوسخ.
(11) السادر: الذي لا يهتم ولا يبالي ما صنع، وهو أيضا المتحير.