الصفحة 106 من 137

الحق ضالين، وفي كؤوس هوى النفس كارعين، فهو المنهاج الأقوم (1) ، والدليل الأقوى، وبه تتمحص الحقائق (2) ، وتظهر الفضائل، وتخفى الأباطيل، وتعشو عيونُ الأضاليل (3) .

وما من أمة طرحت عنها رداء الجهل، وكسرت عن عقولها قيودَ الوهم - فتقدمت في سبيل العمران، وبلغت من المدنية أقصى مكان (4) - إلا كان الانتقاد رائدَ فلاحِها (5) ، ونسمةَ نجاحها (6) . وما من قوم غرّتْهم حلاوةُ التقريظ، وأسكرتْهُم خمرةُ المديح، وخدّرت هِمَمَهم مرافينُ الثناء (7) ، إلا ضربهم الدهرُ بضرباته، ورماهم بنكباته (8) .

والسر في ذلك، أن الانتقاد يحفز الهمّة (9) ، فيبتعد المرءُ عما هو فيه من سوء الحال، ويدفعه إلى ميدان العمل، ليحمد المآل (10) ، فيبذل الجهدَ ليكون من المتقدمين في صالح الأعمال، التي تُنِيْلُه السعادتين، وتنفعه وأمتَه في الحياتين.

أما التقريظُ - وأقبحُه ما كان في باطل - فهو يَنْفُخُ في أنف الممدوح الغرورَ، ويُدْخِل في يافوخه (11) شيطانَ العظمة والكبرياء، فيظن في نفسه أنه بلغ من الكمال السماءَ، حتى طال الجوزاء (12) فَتَضْعُفُ هِمَّتُهُ عن كسب الفضائل، وتفتر عزيمتُه عن اقتراع العظائم (13) . فلا تنمو معارُفُه ومواهبُه (14) ، إن كانت له

(1) المنهاج: الطريق الواضح.

(2) تتمحص: تتنقّى من الأخلاط.

(3) تعشو العيون: يسوء بصرها.

(4) أقصى: أبعد.

(5) الرائد: الدليل.

(6) النمسة: نفس الروح.

(7) المرافين: جمع مرفين، وهو شيء كالبنح، وهي كلمة إفرنجية عربت حديثا.

(8) النكبات: المصائب.

(9) يحفز: يدفع ويسوق.

(10) المآل: العاقبة والمرجع والمصير.

(11) اليافوخ: الموضع الذي يتحرز من الرأس عندما يكون الإنسان طفلا، وهو ما تسميه العامة"النافوخ"بالنون.

(12) الجوزاء: برج في السماء.

(13) اقتراع العظائم: الغلبة عليها.

(14) المواهب: العطايا والمراد بها هنا الصفات الغريزية، لأنها هبة من الله للإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت