ما رأيت أحدا جَزَمَ إرادتَه (1) على أمرٍ إلا كان، ولا عَزَمَ شيئًا (2) إلا وَصَلَ إليه.
ذلك، أن الإرادة رغبةٌ في الأمر، يَتْبَعها سعيٌ إليه، وبذل جهد لتحقيقه، وتهيئةُ الأسباب الممكنة لإيجاده، ثم إقدامٌ على عمله. ولا شك أن الأمر كائن متى اجتمع له كل هذه الدواعي (3) .
وقد عبّر الصوفيةُ عن ذلك بقولهم:"إن لله عبادا إذا أرادوا أراد"فكأنهم جعلوا إرادة الله تابعة لإرادة المريد من عباده. وهم لم يعنوا بذلك إلا ما شرحناه، فإن المسببات مرهونةٌ لأسبابها. وقد جعل الله حصولَ المرادات متوقفا على جزم الإرادة.
وقد ورد في الحديث:"إنما الأعمال بالنيات"ولا ريب (4) أن من صَدَقَ العزيمة وأحسن النية، ووَجَّه الإرادة، وأقدم على ما يرغب فيه بقلبٍ مريدٍ، نال ما يتمناه، وفاز بمشتهاه، لأن المسبب - وهو المراد - كائنٌ عند وجود السبب - وهو الإرادة -.
والإرادة: تربية النفس على الحزم والإقدام على الأعمال الممكنة حتى تصير مَلَكَة من مَلَكَاتها (5) . وهي سعادةٌ لمن تَخَلَّق بها ما وراءها سعادةٌ. فيها يعمل الإنسان، وبها يترقّى، وبها يترك ما أَلِفَه من العادات الضارّة والأخلاق الشائنة (6) ،
(1) جزم الأمر: قطع به قطعا لا عودة فيه.
(2) عزم الشيء وعزم عليه: عقد ضميره على فعله وقطع عليه وأمضاه من غير تردد فيه.
(3) الدواعي: الأسباب.
(4) لا ريب: لا شك ولا شبهة.
(5) ملكة: صفة راسخة.
(6) الشائنة: العائبة.