الصفحة 74 من 137

وبها يكون أميرا على نفسه، سلطانا على ملكاته، وبها يكون إنسانا كلَّ الإنسان. فإن الإنسان الكاملَ من لا يصُدُّه عن مراده الممكن صادٌّ، ولا تقف شهواتُه وعاداتُه عَقَبَةٌ (1) في سبيل المراد.

إن الإنبياء والفلاسفة وعظماء الرجال، لم يستطيعوا أن يَبُثُّوا ما تَوَخَّوه (2) من العقائد والتعاليم، ولم يصلوا إلى ما أرادوه من الأعمال - التي كتبتْ بالنور على جبين الدُّهور - إلا بالإرادة. فإن من مقتضياتها الحزمَ والثباتَ على العمل حتى يكون، ولو أصابهم في هذا السبيل من المصائب ما يَدُكُّ الجبال (3) ، ونَابَهُم من النوائب ما يَفُلُّ الحديد (4) .

وإن ما نراه من خيبة أعمال كثير من العاملين، ناتج من إهمال تربية الإرادة فيهم. فهم لا يستطيعون الثبات على ما يقومون به، بل يُوَلُّون الأدبار (5) عند أول صدمة تصدمهم. وإنما الصبر عند الصدمة الأولى.

الإرادة توجب الصبر، وإباءَ التردد في الأمور، واحتقارَ الصعوبات التي تَعْتَوِر المشروعات المفيدة (6) . وذلك يوجب النجاح في الأعمال بَتَّةً (7) .

متى رسخت الإرادةُ في النفس تَحَكَّم العقلُ، وسقطَ هوى النفس الأمارة، فكان الإنسان في أعلى مراتب الكمال. لأن مَلَكَة الإرادة تطبع في النفوس الفضيلة حتى تكون صالحةً مهذَّبة سعيدة.

ومتى كثر في الأمة عددُ الذين رسخت فيهم هذه الملكة، سارت في العُمران والترقّي والمدنية أشواطًا (8) عظيمة. وكل أمة تنهار دعائم مجدها (9) ،

(1) العقبة: المرتقى الصعب.

(2) يَبُثُّوا: ينشروا - وتَوَخَّوه: قصدوه.

(3) يدكّ: يهدم.

(4) نَابَهُم: أصابهم، والنوائب: المصائب - ويفلّ: يكسر.

(5) يولّون الأدبار: ينهزمون.

(6) تعتور: تأتي مرة بعد أخرى.

(7) بتة: قطعا. بتّ الأمر: أمضاه بلا تردد.

(8) الأشواط: جمع شوط، وهو الجري مرة إلى الغاية. والسباق قد يكون بشوط أو أكثر.

(9) تنهار: تسقط - والدعائم: جمع دعامة، وهي عماد البيت ونحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت