تَنَبَّهْ للحادث الأول، فإن فيه الصعودَ أو الهبوطَ، والتقدمَ أو التأخرَ، والموتَ أو الحياةَ.
رأينا الناس - كثيرا منهم - لا يأبهون (1) لأول طارئ ولا يبالونه، كأنما هو أمر غير ذي بال (2) . ولو علموا أن عواقب الأمور تلحق أوائلها، وتسير سيرتها، لتنبّهوا للحادث الأول، وبذلوا كل جهد لدفعه، وتلقّوه كما تتلقى الجبالُ الراسياتُ طوارئَ النكبات (3) .
النتائجُ تَتْبَع المقدماتِ فسادا وصلاحا، فإذا صلحت المقدمات صلحت النتائج، وإن فسدت فسدت.
يقوم بعض الناس بعمل، ويسعى إليه كل السعي، وبينا هو قائم به، يطرأ عليه طارئ حقيرٌ أو عظيمٌ، فيجبن عن إتمام ما قصد إليه، ويتثبّط عنه (4) ، وتضعف عزيمتُه قبل بلوغ المراد. وما ذلك إلا من فقد الصبر وجبنَ النفس، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى.
وينهض غيرُه إلى أمر، فتنصَبُّ عليه الطوارئ، وتحيط به العوائق، وتنهد إليه المثبِّطاتُ (5) مِن كل جانب، فيتحملها رابط الجأش، ثابتَ العزيمة، إلى أن يتغلبَ عليها، ثم يسير نحو ما قصد له، بِهِمَّةٍ لا تعرف الكلال، حتى ينال ما يريد. وما ذلك إلا لأنه صَبَرَ على الحادث الأول، وتنبّه لبادئ الطوارئ، ودَفَعَ
(1) لا يأبهون: لا يتفتون ولا يعبؤون.
(2) أمر غير ذي بال: لا يفتكر فيه ولا يهتم به.
(3) الطوارئ: الحوادث - والنكبات: المصائب.
(4) يتثبط: يتعوق ويتباطأ.
(5) تنهد: تسرع وتصعد - والمثبطات: المعوقات.