تجويد العمل مع الإبطاء به (2) خير من الإسراع فيه مع إردائه (3) .
ولَأَن تمشيَ كل يوم ساعة، وتستريح سائر اليوم حتى تصل إلى المقصَد (4) في راحة، خيرٌ من أن تسير النهارَ كلَّه، حتى تبلغ ما أنت تقصد له في مشقة وعناء (5) .
وعملك كل يوم ساعاتٍ معدودةً مع إتقان صُنْعك، أولى من أن تُجْهِد نفسك (6) اليومَ كلَّه حتى تملَّ، فإنّ الملل داعيةُ الإساءة في العمل، وسبب الانقطاع عنه.
العبادة شيءٌ جميلٌ تصبُو إليه (7) نفوسُ المؤمنين، ومع هذا فالانقطاع إليها، وتفريغُ النفسٍ لإقامة شعائرها (8) أمرٌ ذَمَّه الشرعُ، لما في الإكثار منها من إردائها وإهمال تجويدها، حتى تكون نهاية الأمر السآمة منها. وقد ورد في الحديث: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَدِّ كُلَّ ذِيْ حَقٍّ حَقَّهُ» .
رأينا كثيرا من الناس يعملون كثيرا في وقت قليل، حتى إذا آن وقتُ استثمار العمل (9) ، لم يوافق حسابُ الحقلِ حسابَ البَيْدَرِ (10) .
وما ذلك إلا لأن
(1) التجويد: التحسين والإتقان.
(2) الإبطأء بالشيء: تأخيره.
(3) الإرداء: الإفساد. أردأ الشيءَ: أفسده، وأردأ الرجل: فعل رديئا.
(4) المقصد: مكان القصد.
(5) العناء: التعب والمشقة.
(6) تُجْهِد نفسَك: تُتْعِبْها وتحملها ما لا تطيق.
(7) تصبو إليه: تميل إليه.
(8) شعائرها: أعمالها. والمفرد: شعيرة، وهي كل كا جعل عمله لطاعة الله.
(9) آن: حان وقرب - واستثمار العمل: الانتفاع بثمراته.
(10) الحقل: الزرع ما دام أخضر، والأرض الطيبة المخصصة للزرع - والبيدر: الموضع الذي يداس فيه الحب. والعبارة مثل للعامة، يقال لكا توافق مقدماته نتائجه.