الناسَ لا يختارون من العمل إلا ما كان جيدأ مُتْقَنا. فيبذلون في سبيله ما يليق به من الثمن. وإن أخذوا الرديءَ فلا ينفحون صاحبه إلا بالنزرِ اليسير (1) الذي يساويه.
ورأينا بعض الناس يعملون العملَ القليل في مُتَّسع من الوقت، ليزيدوا في إتقانه، ومتى دنتْ ساعةُ النتيجةِ (2) قطفوا من أشجار صُنْعهم ثمراتٍ كثيرةً يانعةً (3) . وما هي إلا ثمراتُ التحسين والتجويد.
التجويد ضروريٌ لحياة الأعمال، وضربةُ لازبٍ (4) لمن أراد التوفيقَ فيها. وقد ورد في الحديث: «كَتَبَ اللهُ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» . والإحسانُ معناه: الإتقانُ والتجويد. فمن أحسن في عمله وجوَّده فَأَتْقَن تجويدَه، جَنَى من وراء إتقانه ما لا يَرْفُهُ إلا المحسنون في أعمالهم. ومن أساء فيه، كانت عاقبته الحرمانَ والندمَ.
وما الأعمالُ إلا كالبساتين:
فكما أن البستانَ الذي يُجَوِّده البستانيُّ، ويخدُمُه خِدمةً صادقةً يُؤْتى أُكُلَه جَنِيًّا (5) ، فكذلك سائر الأعمال.
ليست العجلةُ في العمل سببَ التوفيقِ فيه، فَرُبَّ عجلة أعقبتْ رِيْثًا (6) ، وأورثتْ ندامة. وإنما التَّرَوِّي في تجويده هو الداعي إلى النجاح فيه. وقد ورد في الحديث: «إِنَّ هَذَا الدِّيْنَ مَتِيْنٌ، فَأَوْغِلْ فِيْهِ بِرِفْقٍ (7) ، وَلَا تُبَغِّضْ لِنَفْسِكَ عِبَادَةَ اللهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ (8) لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى» .
(1) ينفحون: يعطون. نفحه بشيء: أعطاه إياه - والنزر: القليل اليسير.
(2) دنت: قربت.
(3) يانعة: طيبة. ينع الثمر وأينع: أدرك وطاب وحان قطافه.
(4) هذا الأمر ضربة لازب، وضربة لازم، أي ثابت لازم لا بد منه.
(5) الأُكُل - بضم الهمزة والكاف - ويجوز تسمين الكاف أيضا: الثمر، والرزق الواسع - وجنيا: غضا طريًّا، والجني: الثمر الذي قطف لساعته.
(6) الريث: البطء.
(7) أوغل فيه: ادخل فيه. أوغل في البلاد إيغالا: ذهب فيها وبالغ وأمعن.
(8) المنبت: المنقطع عن رفاقه في السفر، الذي أتعب دابته فانقطعت به (راجع: شرحه في عظة الاعتدال، ص 83) .