المال - كالقوة - خادمٌ للإنسان عند مسيس الحاجة.
إذا رأيتَ أحدا، وقد هَمَّ بالبطش بك، تدفعُ عنك أذاه بما لديك من قوة.
وإذا رأيته، وقد اعتدى على أحد الضعفاء، ودفعتْكَ الحماسةُ إلى مقاومته وردّ عدوانه عن ذلك الضعيف، صدقةً عن قوّتك. وتكون حماستُك أشد، إن رأيتَ أعداءً مندفعةً إلى مقاتلة الأمة وتخريب بلادها.
وكذا، إن شعرتْ نفسُك بحاجة إلى أمر من الأمور التي تنتفع بها، فإنك تدفع هذه الحاجةَ بدفع جزءٍ من مالك تبذله في سبيلها.
وإذا وجدتَ بائسا، أو ضعيفا لا حول له ولا قوةَ، حركتْكَ عاطفةُ المروءة والحنان، فبذلتَ ما تسمحُ به نفسُك لِسَدِّ عَوَزِه (1) ودفع حاجته.
وإن رأيتَ الأمةَ كلَّها في حاجة إلى البذل - وأنت قادرٌ على إصلاح فاسدها ولَمِّ شَعْثِهَا (2) - كان اندفاعُك إلى الإحسان أشدّ، وسعورُكَ بالحاجة إلى البذل أقوى.
وكما يَصْدِفُ (3) الجبنُ الإنسانَ عن رَدِّ ما أراد به أو بغيره السوء - فيكون عُرْضَةً للمؤْذِين، ومَروةً للقارعين (4) - فكذلك البخلُ يصرفه عن البذل فيما يحتاج إليه من الحاجات، حتى الضرورية منها. ومَن جَبُنَ عن دفع الأذى عن نفسه، وبَخِلَ بما يَسُدُّ به ثُغُوْرَ حاجاته (5) فَأَجْدِرْ بِه أن يَجْبُنَ
(1) العَوَز: الضيق والحاجة.
(2) لَمُّ الشّعث: جمع المتفرَق.
(3) يصدف: يصرف.
(4) المروة: واحدة المرو، وهي حجارة بيض رقاق براقة صلبة تنقدح منها النار، وتعرف بالصوان. ويقال: قرع الدهر مروة فلان، أي أنزل به البلاء.
(5) الثغور: الشقوق، وهي جمع صغر. والثغر في الأصل: الشق بين الجبلين، وموضع المخافة من البلد يخاف هجوم العدو منه.