في مأزق (1) الدفاع عن غيره، ويبخل ولو بقليل من المال ينفع به سواه.
وكما يُضيّع التّهَوُّر في أكثر الأحيان حياةَ من عَشِقوا الإقدام على المخلوقات - من غير تَرَوٍّ ولا تفكّر، فلا ينفعون بإقدامهم ولا ينتفعون - فكذلك الإسرافُ وتبذيرُ الأموال فيما لا يفيد، يكون داعيا لضياعها، وأن يبيتَ صاحبُها بعدها حزينًا آسفا.
وكل ذلك من نتائج تركِ الاعتدال، فلنلزم الاعتدال.
صاحبُ المال يُتْلفُ مالَه الإسرافُ والإنفاقُ على ما لا خير فيه لنفسه ولا لأمته، فيصبحُ بعد حين في عِداد الأوفاض (2) ، خالي الوِفَاض (3) ، صفرَ اليدين (4) ، فارغَ الكَفَّين.
والشحّ يسوقه إلى النصب (6) في كسب الذهب، ثم يحول دونه ودون أن يحيا حياة السعداء. وما المال إلا وسيلةٌ للعيش الرَغْد (7) ، وسببٌ لتخفيف الفاقة عن الفقراء (8) ومداواة آلام البائسين.
كما لا خير في قوّةٍ بلا شجاعة - لأن صاحبها يكون جبانًا أو متهوِّرًا - فلا خير في مالٍ بلا جود، لأن صاحبه يكون بخيلا أو مسرفا.
إن كان في الإسراف إتلافُ الأموال، ففي البخل بها إرهاقُ النفس عسرًا (9) . فالويل في كلتا الحالتين نازلٌ بمن تخلَّق بهما.
والاعتدال - وهو الجود - داعية السعادة بالمال.
(1) المأزق: موضع الحرب، والمضيق.
(2) الأوفاض: الفقراء الذين لا مال لهم. والأوفاض أيضا: الفرق من الناس، والأخلاط أو الجماعة من قبائل شتى.
(3) الوفاض: جمع وفضة، وهي خريطة يحمل فيها الراعي أداته وزاده.
(4) صفر اليدين: فارغهما.
(5) الشح: البخل مع الحرص.
(6) النصب: التعب.
(7) الرغد - بفتح الراء وسكون الغين وبفتحهما: الواسع الطيب.
(8) الفاقة: الفقر والحاجة.
(9) أرهقه عسرا: كلفه إياه. والإرهاق: تكليف ما لا يستطاع ولا يطاق.