قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً (1) إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29] .
فلزوم القصد (2) واتّباعُ وسط الأمر، هو المنَجِّي من الويلات (3) . فلينفق الإنسانُ على نفسه وعياله، والمحتاجين من الناس، وعلى المشروعات النافعة، ما ليس إسرافا ولا بخلا.
وليعلم أن الجودَ يقدَّرُ بقدر الثروة. فَرُبَّ جودٍ يُعَدّ بخلا في جانب آخر، والعكس بالعكس.
وبعد، فإن في الأمة قوما، أصلحهم الله، حسبوا البخلَ سببَ الخلود في الدنيا. فإن طلبتَ منهم أن يقوموا بِسَدِّ عَوَز بعض الفقراء، وإعانةِ بعض المشروعات الحيوية، ظَنُّوا أنك تدعوهم إلى إِشْرَاع الرماح (4) وتجريدِ الصِّفاح (5) ، وبذل الأرواح، في ساحة الكفاح (6) . فمنهم من يبخل على نفسه، فهو من الأنانيين (7) ، الذين ضعف شعورُهم، ومرض وجدانُهم، فهم يرون الحياةَ في موت الأمة، والسعادة في شقائها.
وهناك قوم مُبَذِّرون مسرفون، إن رأوا منكرا أقبلوا عليه، أو سمعوا بسفاهةٍ طاروا إليها، وبذلوا في تلك السبيل القناطيرَ المقنطرةَ من الذهب والفضة. وإن دعوا للبذل في سبيل الخير، عموا وصمّوا (8) . وأولئك هم شرّ الثلاثة، وأولئك هم العادون (9) .
(1) مغلولة: مشدودة في العلّ، وهو القيد. وغلّ اليد إلى العنق: كناية عن البخل.
(2) القصد: التوسط في الأمور.
(3) الويلات: المصائب.
(4) إشراع الرماح: رفعها وتسديدها إلى وجه العدوّ.
(5) الصفاح: السيوف العراض، والمفرد: صفيحة.
(6) الكفاح: الحرب مواجهة.
(7) الأناني: من لا يرى غير نفسه، فهو يقول: أنا أنا.
(8) عموا: صاروا عميانا - وصموا: طرشوا.
(9) العادون: الظالمون الذين تجاوزوا الحد في الظلم.