المدنيّة الحقّ سيرةٌ تُكْسِب المتمدّنَ صِحّةً في جسمه وعقله، وتُلْبسه حلّة تُزينه في أهله وعشيرته وبيئته (1) ، وتجعله سعيدًا في دنياه وآخرته.
فمن تردّى بردائها، وسعى لها سعيها، كان متمدّنًا ومن فهمها على غير وجهها - فلبس غير ردائها - كان ممن طُمس على قلوبهم، وضُرب بينهم وبين السعادة بأسوار لا تقوى على اختراقها مدافع الآمال، بل تعيا (2) عن بلوغ أعلاها نسور الأماني، ويَكِلُّ دون ذُرَاها طرف الرجاء (3) .
ما المدنيّة إلاّ أخلاق فاضلة، تثمر ائتلاف الأفراد واتحاد الجماعات، وسعي وعمل، يلدان عمرانَ البلاد، وارتقاء الحالة الاجتماعية، وإِقدامٌ على تطهير النفس من الرذائل، لاكتساب الفضائل، وإحجامٌ عن الضّرر بالناس (4) ، وابتعادٌ عن مناكر الأخلاق، وبذلٌ لتخفيف ويلات البائس (5) ، وتشييدِ صروح المدارس (6) .
كانت الأممُ المشرقيةُ، وكان لها في المدنيّة صولة، وفي تثبيت أركانها دولة. ثم دارت عليها الدائرة، فطرأ عليها ما طرأ، مما خرّب عمرانها، وبدّد تمدّنها (7) ، سنة الله فيمن لم يعمل بقانون الاجتماع، ولم يظلَّ سائرًا في سبيل الحضارة الصحيحة (8) . فانتقلت علومها ومدنيّتها إلى قوم عرفوا فضلها،
(1) البيئة: المنزل، والبلد أو القطر الذي تعيش فيه.
(2) تعيا: تتعب وتعجز.
(3) الذرا: جمع ذروة، وهي أعلى كل شيء - والطرف: العين.
(4) الإحجام: التأخر والامتناع والكف.
(5) البائس: الشديد الحاجة.
(6) شيد البناء تشييدا: رفعه - والصروح: القصور، والمفرد: صرح.
(7) بدد: فرّق وأذهب.
(8) الحضارة: المدنية، وهي خلاف البداوة.