فأَحَلُّوها المقام الأرفع، ووسّعوا لها صدورهم، وزادوا فيها ما اقتضته سُنّة الترقي، ودعت إليه الحاجة، فبلغوا من الكمال في الحضارة مبلغًا جسيمًا، وساروا أشواطًا عظيمة (1) فملكوا نواصي الأمم الخاملة (2) . وأحكموا الشّكائم في أفواهها (3) .
غير أن مدينتهم لم تخلُ من شوائب (4) تخالط كل قوم استبحر عُمْرَانهم (5) ونمت حضارتهم. على أنهم ليسوا راضين عما دهمهم من الأشواك (6) ، بل تراهم ساعين نحو تشذيب شوائبهم (7) وتهذيب مدنيتهم.
وقد أفاق الشرق اليوم من غفلته. وتنبّه من سِنته (8) ، وطفق يقلّد مدنية الغرب، كما قلّد الغرب مدنيته من قبلُ.
غير أن السير ضعيف، والسعي بطيء، وأكثر المقلّدين لم يتمسك إلا بقشور التمدّن، تاركًا لبابه، فما يدرسونه، إنما هو نظريات لا تسمن ولا تغني من جوع، والعلم إنما هو العمل. وهؤلاء لا يعملون. وفائدة العلوم الكونية (أو العصرية) هو الوصول إلى ما وصل إليه الغربيون، من إنشاء المعامل ودور الصناعات، التي تدرّ على البلاد غنى وثروة، وتجتاح منها الفقر (9) وتقصي على البؤس (10) .
وهناك قوم ممّن يدّعون تقليد بني الغرب، لم يقلِّدوهم في علم مفيد، ولا عمل نافع، وإنما قلّدوا فُسّاقهم وفاسدي الأخلاق منهم، فلا يعرفون عن المدنية إلا إتباع الهوى، والعمل بالمناكر، والتفنّن في الأزياء (11) ، والتمسك بسافل العادات، وتبذير الأموال في سفيه الأفعال.
(1) الأشواط: جمع شوط، وهو الجري مرة إلى الغاية، وهو أيضا: الغاية نفسها يجري نحوها.
(2) النواصي: جمع ناصية، وهي مقدم الرأس.
(3) الشكائم: جمع شكيمة، وهي حديدة اللجام المعترضة في فم الفرس.
(4) الشوائب: الأخلاط، والعيوب، والأدناس.
(5) استبحر: انبسط واتسع.
(6) دهمهم: جاءهم على حين غفلة.
(7) التشذيب: الإصلاح والتهذيب.
(8) السنة: الغفلة والنوم.
(9) تجتاح: تستأصل وتمحو.
(10) البؤس: الشدة والشقاء.
(11) الأزياء: جمع زيّ - بكسر الزاي - وهو: الهيئة، والمراد به هيئة الملابس ونحوها.