العمل جسم روحه الإخلاص.
فكما أن الجسم متى فارقته روحه التي بها قوامه (1) كان جثةً (2) هامدة (3) لا حراك فيها ولا فائدة ترجى منها؛ فكذلك العمل إذا زايله (4) الإخلاص.
كم رأينا قومًا يعملون، غير أننا لم نَرَ أثرًا صالحًا لعملهم. وكثير منهم لم يوفق فيما قصد إليه، فظل في شاطئه، أو خاض منه ضحضاحًا (5) ، ولم يستطع أن يصل إلى الغمر (6) ، فنكص على عقبيه (7) خَسِرَ (8) النَّصَبِ (9) والذهبِ.
و ليس لهذا الأمر من سبب، إلا أن الإخلاص لم يكن رائد (10) هذه الفئة، لأنها لم تعمل إلا لجر مغنم مذموم، أو كسب شرف موهوم.
والسر في ذلك أن من يعمل مخلصًا في عمله لأمته ووطنه تهوي (11) نحوه أفئدة الناس، ويحوطونه (12) بالتشجيع والتحبيذ (13) ، أو بالمعونة والتنفيذ، فيزداد بذلك همةً ونشاطًا وتنمو (14) فيه روح الجد والمثابرة على العمل.
أما من يعمل غير مخلصٍ، فإنه، وإن كتم ما يضمره حينًا من الدهر، لا
(1) قوام الأمر - بكَسر القاف: نظامه وعماده وملاكه الذي به يقوم.
(2) الجثة: شخص الإنسان.
(3) هامدة: ميتة، وأصلها من همود النار، وهو انطفاؤها.
(4) زايله: فارقه.
(5) الضخضاح: الماء القريب القعر.
(6) الغمر: الماء الكثير البعيد القعر، والجمع: غمار.
(7) نكص على عقبيه: رجع.
(8) خسر: شديد الخسران، وهو صفة مبالغة.
(9) النصب: التعب.
(10) الرائد: الدليل والمرشد.
(11) تهوى نحوه: تميل إليه. وأصل معناها تسقط.
(12) يحوطونه: يحفظونه ويتعهدونه.
(13) التحبيذ: أن نقول للرجل"حبذا"مادحا عمله.
(14) تنمو: تزيد