الصفحة 102 من 137

كن عونًا لغيرك، يكن غيرك عونًا لك. وأحبب الخيرَ له، يُحْبِبْ الخير لك. فالتعاون من الأمور التي يتبادلها الناس. وَقَلَّ مَن لا يريد لك السعادة، ولا يقدم على إعانتك، إذا عَرَف منك أنك تودّ له ذلك، وتُسْرِع إلى معونته إن دعت الحاجة إليها. اللهم إلا إن كان ممن فسدت أخلاقهم، وسفلت تربيتهم. فكان ممن يغضون (1) عن مقابلة المحسن بالإحسان، فلا يمدون إليه يد المساعدة، ولا ينظرون إليه بطرف المروءة (2) .

و كثيرًا ما يدفع اللؤمُ بهذا الصنف من الناس إلى أن يَجْزُوا من الحسنة السيئة، ويستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. ومن فعل ذلك كان ممن صدق عليه الأثر:"اتق شر من أحسنت إليه".

أقل مراتب التعاون: أن تعين غيرك حرصًا على أن تعان متى اِحْتَجْتَ إلى المعونة. وأكمل تلك المراتب أن تندفع في هذا الأمر، وأنت غير آمل منه فائدة، ولا رَاجٍ منه عائدة (3) . بل إنك تُقْدِم عليه لأنه فضيلة في نفسه، وأثر صالح يحتذي الناس مثاله (4) ، لتنموا روح التعاون بين الأمة، فيكون من وراء نموّها اجتماع القلوب، وائتلاف المجموع، واتحاد الأفكار، وتقارب الميول.

إن من تحسن إليه تكون قد نقشت في قلبه محبةً لا تمحوها إلا الإساءة. والكريم لا يسيء بعد الإحسان.

وإن أحسنت إلى الأمة كلها، فقد أقمت في كل فؤاد من أفئدة أبنائها

(1) أغضى عن الأمر وتغاضى عنه: تغافل.

(2) العين: الطرف - المروءة: النخوة وكمال الرجولية.

(3) العائدة: الفائدة التي تعود على الإنسان.

(4) يحتذون مثاله: يقتدون به ويصنعون مثله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت