وتَتَقَوَّضُ أراكين عِزِّها (1) ، يكون ذلك من قحط الرجال (2) - رجال الإرادة - فيها.
ألا، إن مَن ضَعُفت إرادتُه كان صغير النفس، وضيْعَ المنزلة، تلعب به الأهواءُ (3) ، وتَعْبَث (4) به إراداتُ الصبيان، بَلْهَ الرجال (5) . فيكون كُرَةً تتقاذفها الأغراض، وهَدَفًا تُرَاشُ له السهام (6) . فإنْ أتاه آتٍ بأمرٍ، فحمله على الاعتراف بأفضليته، أجاب. ثم إن جاءه آخرُ فدعاه إلى القول بأرذليّته، لَبَّى. فهو لا يستقرّ على حال، بل تتنازعه إراداتُ الرجال وَتَعْتَوِره دواعي الأهواء. إذ ليس له عاملٌ من نفسه يدفع الباطلَ بالحق ولا قلبٌ ذكيٌّ يُفَرِّقُ بين الصحيح والفاسد. ومن كان كذلك فَأَحْرِ بِهِ (7) ألّا يكون إنسانا كاملا.
فعلى الأمة التي تَوَدُّ حياةً طيبةً وعيشة راضية، أن تُرَبِّي ملكة الإرادة في نفوس أطفالها، فإن الإرادة سبيل السعادة.
يا معشر الناشئين، أنتم عمادُ الأمة، أنتم دعامةُ مجدها، أنتم رجالُها في الآتي، فتعوّدوا أن تكونوا مريدين. ولا تعبثوا بما يحول بينكم وبين ما تريدون. فَخُلُق الإرادة رأس الأخلاق، وهو عينها المبصرة، وقلبُها المفكر.
جرِّدوا الإرادة يسهل المراد، فإن لله عبادًا إذا أرادوا أراد.
(1) تتقوض: تنهدم - والأراكين: جمع أركان.
(2) قحط الرجال: فقدانهم أو قتلهم.
(3) الأهواء: الميول الفاسدة، وهي جمع هوى النفس.
(4) تعبث: تلعب.
(5) بله: اسم فعل أمر بمعنى دع واترك.
(6) الهدف: ما ينصب ليرمى إليه - وتراش: يلزق عليها الريش. وريش السهام: كناية عن التهيّؤ للرمي.
(7) أَحْرِ به: أجدر به.