يقصدون إليه، لِيَخلوَ لهم الجوّ، فيكونوا هم الرؤساءَ والزعماء. ولم يدروا أنهم بعملهم هذا ينكشفُ عُوارُهم (1) ، ويفتضح أمرُهم، فتزدادُ الأمة منهم نفورًا، وتُوْسِعُهم احتقارا وبغضا.
وهناك رهطٌ، متى أحفق في سعيه، ولم يَنَل من الزعامة ما يريد، قام باسم الدين، وهو أجْحَدُ الجاحدين، فنسب إلى غيره الكفرَ والإلحاد (2) ، والضلالَ والفساد، واتخذ لأهوائه الضالة سافلَ الوسائل، ليصدفَ (3) الأمةَ عن ذلك الزعيم العامل، ويصرفَ وجوهها عنه إليه، ويجعلَ أمرَها بين يديه، وربما صَدَّقَه بعض السُّذَّج (4) من العامة، لأنه يضرب على وتَرِ الدين. ولكنّ المجموعَ لا يلتفتُ إليه، ولا يُعَوَّل عليه، ولا يعبأ بِتُرُهَّاتِه (5) ولا يَجْنَحُ إلى مفترياته (6) .
فأعيذكم بالله، معشرَ الناشئين، أن تتخذوا للزعامة أمثالَ هذه الأسباب، فتتقطَّعُ بكم الأسبابُ (7) ، وتنفر منكم الأمةُ، ويبعدُ ما بينكم وبين الفضيلة.
إياكم وحبَّ الرئاسة، إلا إذا أتتكم منقادةً تُجَرِّرُ أَذْيَالَها، بما لكم عند الأمة من جميل الصنع، وطريف الفضائل وتالدِها (8) .
واحذروا، إن قام فيكم زعيمٌ هو أهل للزعامة، وكانت قلوبُكم مطمئنّةً إليه، أن يغرّكم الحسدُ. فتنهضوا إلى إسقاطه، وتعملوا على صرف وجوه الناس عنه. بل سَاعِدُوه على ما قام به، وأَعِيْنُوه على مشروعه، وكونوا له أيديًا تُسْعِفُهُ، وأعْضَادًا تَدْعَمُه (9) . فإن فعلتم ذلك كنتم لأمتكم من المحسنين.
(1) العوار - بفتح العين ويجوز ضمها وكسرها: العيب، وأصله في السلعة.
(2) الإلحاد: العدول عن دين الله والطعن فيه.
(3) يصدف: يصرف.
(4) السذج: الذين لا خبرة لهم، والمفرد: ساذج، وأصل معناه: ما لا نقش فيه، فكأن التجارب لم تنقش في قلوبهم.
(5) الترهات: الأباطيل.
(6) لا يجنح: لا يميل.
(7) الأسباب الأولى: الوسائل، الأسباب الثانية: الصلات والمودات، وأصل معنى السبب: الحبل.
(8) طريف الفضائل: جديدها، وتالدها: قديمها.
(9) الأعضاد: الأعوان، والمفرد: عضد - وتدعمه: تسنده وتقويه.