الضلالَ بْنَ فَهْلَلَ (1) ، أو الجهلَ ابنَ الغَبَاوَةَ، أو الفُسُوْقَ ابْنَ العِصْيَان!
كل قوم رَأَسَهُمْ أَوْشَابُهُمْ (2) ، وتحكّم فيهم جهلاؤهم وكان زعماءَهم أنذالُهُمْ، كان الخراب عاقبتَهُم، والدمارُ (3) منتهاهم.
ليس الرئيسُ من يبذل المال، ويبثُّ الرجال، لترغيب الناس في رئاسته، والالتفاف حول عَلَم زعامته. وإنما الرئيسُ من كانت الرئاسةُ خُلُقًا من أخلاقه. وذلك لا يكون إلا في رجل معروف الفضيلة آبي الرذيلة (4) ، زكيّ الوجدان، ثابت الجنان (5) ، عالي الهمة، نقيّ الذمة ذكيّ الفؤاد، رفيع العماد (6) ، تُرَابيّ النفس، عِصَامِيُّها (7) واضح الأخلاق، طاهر الأعراق (8) عالم بما تحتاج إليه الأمة، ساعٍ نحو ما يفيدها ويعلي شأنَها. ومن كان كذلك ساد الناسَ وزعم عليهم (9) ، وكانت له الكلمةُ النافذةُ فيهم، والمقامُ الأرفعُ بينهم.
عجبتُ والله - وحُقَّ لي العجبُ (10) - لِرهطٍ ليسوا في العير ولا في النفير، يسعون السعيَ الحثيثَ (11) لِتُقِرَّ الأمةُ لهم بالزعامة، وهم أهونُ عليها من كل هيِّن، ولا ميزةَ لهم ترفعُهم إلى المقام الذي يسعون إليه. وقد اتخذوا الوقيعة (12) في أفاضل الأمة، وأكْل لحومِهم، وتلطيخَ أعراضهم، سبيلا إلى ما
(1) فهلل: اسم للباطل، وهو غير منصرف للعلمية، ووزن الفعل باعتبار أنه وزن جلبب.
(2) الأوشاب: الأخلاط من الناس كالأوباش، والمفرد: وشب - بفتحتين - ومفرد الأوباش وبش - بفتحتين - أيضا.
(3) الدمار: الهلاك والخراب.
(4) آبي الرذيلة: ممتنع عنها.
(5) زكي الوجدان: صالحه وطيبه - والجنان: القلب.
(6) ذكي الفؤاد: متوقده وفطنته - ورفيع العماد: سيد شريف.
(7) العصامي: من يفتخر بعمل نفسه، وعكسه العظامي، وهو من يفتخر بآبائه، وهو نسبة إلى عصام بن شهيرة الذي قال فيه الشاعر:"نفس عصام سودت عصاما". وفي المثل:"كن عصاميا ولا تكن عظاميا"أي أشرف بنفسك كعصام لا بآبائك الذين صاروا عظاما.
(8) الأعراق: الأصول.
(9) زعم عليهم: تأمر عليهم وسادهم.
(10) حق لي العجب - بصفة المجهول: اي وجب عليّ.
(11) الحثيث: الشديد السريع.
(12) الوقيعة: السب والشتم.