الصفحة 77 من 137

السيرة، والكرم، والبذل الجمّ في سبيل إحياء الأمة، ونشر العلم في ربوعها. فمن نهج هذا المنهج (1) ، وقام بهذه الأعباء (2) ، كان عينا من الأعيان، ورئيسا من الرؤساء، وزعيما من الزعماء. وإلا فهو على الوجاهة والرئاسة والزعامة والشرف طُفَيْلِيٌّ (3) دخيلٌ.

يتهافتُ (4) كثيرٌ من ضعفاء العقول على الرئاسة، وليس لهم من شروطها حَبَّةُ خردل، وقد نسوا أن رئيس القوم لسانُهم الناطق، وقلبُهم المفكّر، وصمدُهم في الشدائد (5) وحصنُهم عند النوائب، وموئِلُهم (6) إن عَضَّهُمُ الدهر، وسندُهم في كل جليل من الأمر.

كان للأمة عصور لم يكن يرأسُها (7) فيها إلا السادة المخلصون، والبررةُ (8) المصلحون. ثم هَوَتْ بها كَفَةُ الميزان، فرَأَسَهَا الفسقةُ الأدنياءُ، دعاةُ الجهل والعصيان، والطغاةُ السفهاءُ، وأولياء الشيطان.

ألا، إن الزمان قد استدار، فقد تَنَبَّهَت الأمةُ من رَقْدَتهِا (9) ، واستيقظت من غفلتها. فهي لا ترضى أن تبقى في أسر مَنْ يعمل على هلاكها، ويرغبُ في اسعبادها. ولا تُقِرّ بالزعامة والرئاسة إلا للمصلحين الصالحين، الذين يرغبون في الموت لِتَحيا الأمة، ويُؤْثِرُون (10) المتاعب حُبًّا لراحتها، ويرضون بالشقاء رغبةً في سعادتها.

فتقدّم، أيها الناشئ، إلى العلم الكامل، وتَمَسَّك بالخُلُق الفاضل، وأَقْدِم

(1) نهج: سلك - والمنهج: الطريق الواضح.

(2) الأعباء: الأحمال الثقيلة.

(3) الطفيلي: من يدخل في أمر لم يُدْعَ إليه، وهو نسبة إلى طفيل: رجل من أهل الكوفة كان يأتي الولائم من غير أن يدعى إليها. ويسمون من يفعل ذلك بالوارش أيضا، كما يسمون من يدخل على القوم في شربهم فيشرب معهم من غير أن يدعى بالواغل.

(4) يتهافت: يتساقط، وأصله التساقط شيئا بعد شيء.

(5) الصمد: من يصمد إليه الناس، أي يقصدونه بحاجاتهم.

(6) الموئل: الملجأ.

(7) رأسهم يرأسهم: صار رئيسا عليهم.

(8) البررة: الأخيار.

(9) رقدتها: نومها.

(10) يؤثرون: يقدمون ويفضلون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت