الصفحة 66 من 137

الواهمون، وإنما يصدِف النفسَ (1) عن هذا الحبِّ فسادٌ في التربية، أو خللٌ في الدِّماغ، أو عِرْقٌ كان أجنبيًا، فهو يدفع الدّخيل إلى معاداة وطن فيه وُلِدَ، وفي أرضه نشأ، وبِلِبَانِه تَغَذّى (2) ، ويجعله يحنّ إلى أرض لم يعرفها، سوى أنها كانت منشأ أبيه أو آبائه من قبل، ويشوقه إلى قوم يعرف عنهم ولا يفهم لغتهم، ولا تجمعه بهم جامعة، سوى أنه كان منهم، ويا ليت من كان مثله، يكتفي بذلك الحنين فلا يسعى لانتقاص وطنٍ آواه ونصره، بعد أن لفظت آباءَه بلادُهم لفظ النواة (3) ، ولا يعمل لإحباط (4) كل مسعى يسعى لإنهاضه.

فإليك، أيها الناشئ الكريم، تُبسط يد الرجاء، فانهض، رعاك الله، للعلم، وتخلّق بأخلاق أسلافك، فإنّ الوطن يناديك: إني لك من المنتظرين.

واحذر أولئك الدسّاسين (5) ، وتيقَّظ لحبائلهم (6) ، وتنبَّه لشرورهم، فهم داء وطنك العُضال (7) ، والسُّمُّ القَتَّال. وما نَهَكَ (8) الوَطَنَ من قبلُ، وما يُعمل على إضعافه من بعد، إلا هؤلاء المجرمون. فإنهم أعدى الأعداء وأدوى الأدواء (9) .

فكن عليهم الخطبَ النازل، والداء القاتل، والموت الزُّؤَام (10) ، والعين التي لا تنام. وإياك أن يطيب لك المقام، قبل أن تريش السهام (11) ، وتقف بالمرصاد، لأهل الفساد.

فحقق الأمل يحي بك الوطن.

(1) يصدف: يصرف، يقال: صدف عن الشيء، إذا انصرف عنه وأعرض، وصرفه عنه وأصدفه عنه أي صرفه عنه.

(2) اللبان: الرضاع.

(3) لفظت: طرحت. واللفظ: الطرح - والنواة: يزرة التمر ونحوه.

(4) إحباط: إبطال.

(5) الدساس: المرائي بعمله؛ فهو يندسّ أي يدخل مع الأخيار، وليس منهم، والدساس: حية خبيثة تندس هادئة، حتى إذا أمكنها اللسع لسعت.

(6) الحبائل: المكايد، وأصل معناها: المصايد.

(7) العضال: الشديد الغالب.

(8) نهك: أضعف وأضنى وأتعب.

(9) أدوى الأدواء: أشدها - والأدواء: جمع داء.

(10) الزؤام: السريع الكريه.

(11) تريش السهام: تلزق عليها الريش. وريش السهام كناية عن التهيؤ للرمي - والسهام: النبال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت