ومن هذه الحقوق تكثير سواد المتعلِّمين، المتخلِّقين بصحيح الأخلاق، المغروس في قلوبهم تلك الحكمة المشهورة:"حبّ الوطن من الإيمان"، وذلك لا يكون إلا ببذل المال في سبيل المصالح العامة، وإفراغ الوسع في تشييد المدارس، التي تنفُثُ في روع النابتة روح الوطنية (1) ، وتنبت في نفوسهم غراس الفضيلة والعمل الصالح، وتُهيبُ بهم (2) لينهضوا - متى بلغوا الرجولية - إلى خدمة هذا الوطن التعس. الذي ضره أبناؤه، أكثر مما ضّر به أعداؤه.
وعن هؤلاء النابتين تصدر مقوماتُ الحياة لهذه الأمة التي كادت - بسبب خمولها وجمودها - تكتب في أسفار الأمم المُنْدرِسة (3) .
متى نشأ هؤلاء التلاميذ - الذين يربون تلك التربية الصحيحة -ودخلوا معترك الحياة الاجتماعية، كان منهم ما لا عين رأت. ولا أذن سمعت، ولا على خطر على قلب بشر.
التربية الحق روح الحياة والعلم دم الوطن. ولا تمكننا الحياة السعيدة إلا بها، فالتربية تدفع إلى السعي والعمل، والعلم يرشد إلى طريق السعادة.
نحن في حاجة إلى المصانع الوطنية. والتجارة الوطنية: لتنال البلاد الاستقلالَ الاقتصادي، وتتخلّص من نير الحاجة إلى الأجانب، فمن سعى نحو استقلال الوطن وتخليصه من مدّ يده إلى غيره، كان الرجل الوطني الذي تنحني أمامه الرؤوسُ إجلالًا.
إن لكل نتيجة مقدّمات. ومقدّمات الاستقلال تربية الناشئين وتعليمهم ليكونوا يد الوطن العاملة، وروحه المقوِّمة، ودمه الجاري في عروقه، فعلِّموا الأولاد، تسعد البلاد.
حب الوطن ملكة من ملكات النفس (4) ، لا ينكرِها إلا الأفّاكون أو
(1) تنفث: تلقي - والروع: القلب - والنابتة: النشء.
(2) تهيب بهم: تناديهم.
(3) الأسفار: الكتب، والمفرد: سِفْر - والمندرسة: المنقرضة التي انطمس ذكرها ومجدها.
(4) ملكة: صفة راسخة.
(5) الأفاكون: الكاذبون أشد الكذب.