التربية: هي غرس الأخلاق الفاضلة في نفوس الناشئين، وسَقْيُها بماء الإرشاد والنصيحة، حتى تصبح ملكةً من ملكات النفس (1) ، ثم تكونَ ثمراتُها الفضيلةَ والخيرَ، وحبَّ العمل لنفع الوطن.
تجب تربيةُ الطفلِ على الشجاعة، والإقدام، والجود، والصبر، والإخلاص في العمل، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وشرف النفس، والجرأة الأدبية (2) ، والدينِ الخالص من الشوائب (3) ، والمدنيّة المُنَزَّهَة عن الفساد، والحريّة الصحيحة في القول والعمل، وحب الوطن.
وعلينا أن نربّي فيه ملكة الإرادة، والصدق، وحب إعانة البائسين (4) ، والمشروعات النافعة، وأن نعوِّدَه القيامَ بالواجب، إلى غير ذلك من الأخلاق الشريفة، وأن نباعدَ بينه وبين أضداد هذه الأخلاق.
ولكن الحال اليومَ عندنا على غير ما شرحناه:
فالطفلُ - وهو في اللفائف - يُخَوِّفه أبواه بالغيلان، و"البعابع"إرهابا له (5) ، لِيَخْلُصَا من صُراخِه، وما يدريان أن نفس الطفل كالشمعة اللينة، قابلةٌ لكل نقشٍ، أو كناقل الهيئة"الفوتوغراف"ينطبع في زجاجته كلُّ صورة. فإذا ما نشاء، عاودتْه تلك النقوش والصور، التي طَبَعَها في مُخَيَّلَتِه (6) أبواه، حتى إذا رأى غير شيء طَنَّه شيئا، فكانت حياتُه - بما جنيناه عليه - حياةَ خوفٍ وجبنٍ وأوهام.
فإذا جاوزَ الطفْلُ دَورَ الطفولة إلى دور غيره - فكان دراجا (7) فحَفِرًا (8) ، فيافعًا (9) - أخذا يُرَبِّيانه تربية الحيوانات العجم: بالانتهار تارة، وبالضرب
(1) ملكة: صفة راسخة.
(2) الجرأة: الشجاعة.
(3) الشوائب: الأخلاط، والعيوب، والأدناس.
(4) البائسين: جمع بائس، وهو من اشتدّت حاجته.
(5) إرهابا: تخويفا.
(6) المخيلة: القوة التي تخول الإشياء وتصورها، وهي مرآن العقل.
(7) الدراج: الصبي الذي دبّ ونما.
(8) الحفر - بالحاء المبهمة: الصبي الذي سقطت رواضعه، وهو أسنانه التي تنبت وهو في الرضاعة.
(9) اليافع: من قارب البلوغ، وهو من قارب العشرين من عمره.