المُبَرِّح (1) تارة أخرى، ولا تَسَل عما يسمعُه من أبويه من بَذِيِّ الكلام (2) والكذبِ، والنفاق، بَلْهَ (3) ما يكسبه من سَيِّء الأخلاق، وكثيرا ما تكون حياتُه المدرسيّةُ ليست خيرا من حياته البيتِيَّة، خصوصا إذا كان الأستاذُ أو المربي ممن غَلُظَتْ طِبَاعُهُم، وخَشُنَت أخلاقُهم، وفسدتْ ضَمائِرُهم، وإن دُفِعَ إلى مدرسة كاملة، فإنه يُضَيِّع في بيته ما كسبه في مدرسته.
ومتى شَبَّ الناشئ، كانت حياتُه في أمته صورةً مُكَبَّرةً عن حياته في بيتِه ومدرسته. فإما أن تحيا به الأمة حياةَ السعادة إن كان قد تَرَبَّى تربية صحيحةً، وإما أن تحيا حياة الشقاء، بما يجنيه عليها، إنْ تَرَبَّى تربيةً فاسقة.
رَبِّيْ أيتُّها الأمةُ النابتةَ، تكن لكِ عونًا وساعدا، وتنهض بكِ من كبوة الذلّ والخمول (4) .
وأنتم، أيها الناشؤون، تَعَوَّدوا الخُلُقَ الصالحَ، وأقدموا على العلم النافع.
إن ميدان العمل أمامكم، فاستعدوا لِخَوْضِ غِمَاره (5) .
اليومَ الاستعدادُ لخدمة الأمة، وهناك - بعد انصرام (6) زمن الصبا - يكون السباقُ، وسنرى من يكون الفائز، فمن جَدَّ اليومَ نالَ في الغد، ومهما يفْعَلِ الناشئُ في هذه السِّنِّ، فسوف يلاقيه في زمن الشباب.
فما أعددْتَ أيها النابتُ، لِغَدك، وأيَّ عمل تعمل الآن، لتكون أمتُك سعيدةً بك في المستقبل؟
-أعددتَ همّةً ونشاطا، وعلما وأخلاقا، وغيرةً وحميّة، ومحبة وطنية.
-بارك الله عليك، وحققَ آمالَنا فيك، فبك يعمر الوطنُ، وتحيا الأمة.
(1) الضرب المبرح: الذي يؤذي الجسم.
(2) بذيّ الكلام: فاحشه وقبيحه، ورجل بذيء: فاحش، والبذاء والبذاءة والبذاوة: فحش الكلام. يقال: بذو يبذو بذاءً وبذاوة فهو بَذِيٌّ، وبذؤ يبذؤ، وبذأ يبذأ بذاءة فهو بذيء.
(3) بلهَ: اسم فعل أمر بمعنى دع واترك.
(4) الكبوة: السقطة.
(5) الغمار: جمع غمر، وهو الماء الكثير البعيد القعر.
(6) الانصرام: الانقطاع والذهاب.