الصفحة 133 من 137

فيزيد بذلك الأمةَ بلاءً على بلائها، وخذلانا على خذلانها.

متى نشأ الولدُ فليُعَوِّدْه أبواه الاعتمادَ على نفسه، في كل أمر من أموره، حتى إذا شبَّ، كان رجلا يخدُمُ الأمةَ خدمةَ الرجل القويِّ القادر، ومتى كَثُرَ مجموعُ الشُّبّانِ المتكئين على أعضاد أنفسهم (1) ، تكونت منهم أمةٌ صالحةٌ لأنْ تكون وِرَاثة الأرض.

نحن في حاجة إلى شُبَّانٍ جُبِلُوا على الاستقلال في الفكر، والاعتمادِ على النفس، وما تأخرْنا إلا بعد أن ضَعُف فينا هذان الخُلُقان. وما تَرَقَّى الغربيّون، وبلغوا الغاية القصوى (2) من المدنيّة والعُمران والسلطان (3) إلا بعد أن رَبُّوا نشأَهم عليهما (4) .

وليس معنى ذلك أن ينشأ الولدُ منفردا برأيه، مستبدًّا بفكره، لا يستشير أهل العقل والعلم، وإنما هو أن لا يترك التفكّر والعملَ، معتمدا على أن غيرَه يتفكّر أو يعمل. فإن رأى أن فكرَ غيرِه أضمنُ لنجاح العمل من فكره، انقاد له، وتمسّك بِعُرَاه (5) ، وإلا مضى فيما يُفَكِّر فيه، وأخرج عملَه إلى حَيِّز الوجود (6) .

فتعوّدْ أيّها الناشئ، الاعتمادَ على نفسك، والاستقلالَ برأيك - على نحو ما شرحت لكَ - تكن من المفلحين.

واحذر أن تنقاد لرأيٍ يَدْفَعُك في الهاوية، أو تُذْعِن (7) لمن لا يحفزك إلى منهج السداد (8) .

ولا تَتَّبِعْ أمر من يُؤَمِّنُكَ من المخوف لِيُوَرِّطَكَ فيه (9) ، بل اتبع أمرَ من

(1) الأعضاد: جمع عضد، وهو الساعد.

(2) القصوى البعدى، مؤنث الأقصى.

(3) السلطان: السلطة والقدرة.

(4) النشأ - بفتح الشين - والنشْء - بسكونها: جمع ناشئ.

(5) العرى: جمع عروة، وهي كل ما يوثّق به ويعوّل عليه، وأصلها: مِقبض الدلو والكوز، وما يدخل فيه الزرّ من القميص ونحوه.

(6) الحيّز: المكان والجهة.

(7) تذعن: تخضع وتطيع.

(8) يحفزك: يدفعك - والمنهج: الطريق الواضح - والسداد: الصواب.

(9) يورّطك: يُوْقعك فيما لا تتخلص منه، وأصل معناه: يوقعك في الورطة - بفتح الواو وسكون الراء - وهي الهوّة الغامضة، والهلكة، والشدة، وكل أمر شاق تعسر النجاة منه يقال: أورطه إيراطا، وورّطه توريطا، إذا أوقعه في الورطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت