يسعى كل السعي لينال مثل مناله ويرقى مثل رُقِيِّه. فإن زاد فيه الإباء، فلا يرضى لنفسه إلا بما فوق ذلك المقام، ولا يختار لها إلا أرضى من تلك النعمة.
وضَاعَةُ النفسِ تدفع الإنسان إلى أن يتمنى زوال النعمة عن غيره لتكون له، وإباؤُها يَحْفِزُه إلى العمل (1) ، ليفوز بالحسنى، ويأبى عليه أن يريد بغيره السوء، ليكون له الخير. فالفرق بين الخلقين عظيم.
و قد علمت بما شرحناه معنى قولهم:"الحسود لا يسود"لأن من أخلاق الحسود ضعف الإرادة، وصغر النّفس، والجبن عن الإقدام عن عمل السادة. وَأَحْرِ بِمَنْ كان كذلك أن لا يكون سيدًا. فالسيادة وهذه الأخلاق على طَرَفَيِ نقيض.
عجيب، والله، أن يتمنى المرء ما لا يكون إلا بجد وعملٍ - وهو كسول خامل مهمل - وأن يرجو ما لا يكسبه إلا الحسرة، ولا يعود عليه إلا بانقباض الصدر، وهذه صفة الحاسدين. فاحذر، أيها الناشئ، أن تكون من الجاهلين.
ربما تبلغ نار الحسد بالحاسد حدًا يدفعه إلا إيذاء محسوده، والسعي في ضرره، وبذل الجهد في إيصال الشر إليه. وإنما يعمل ذلك ثائرًا لنفسه الوضيعة، ظانًا أن هذا العمل يطفئ جمرة طبعه اللئيم. ومتى بلغ الحسد بالحاسد هذا المبلغ، كان وحشًا ضاريًا، وأفعى في أنيابها السم ناقع (2) ، وكثيرًا ما يعود الضرر عليه، فيموت بغيظه، ويحرق بنار حسده.
ألا إن الحسد كان فيما مضى أكبر أدوائنا (3) ، التي على مجدنا ومدنيتنا. وأراه اليوم أَفْتَكَ وَبَاءٍ فاشٍ في مجتمعنا. فلا ترى أحدًا يقوم بما فيه صلاحٌ للبلاد، ومنفعة للأمة، إلا وجدت إزاءه من المقاومين الجم الغفير (4) ، حسدًا من عند أنفسهم، وبغيًا على الحق. فإن لم نترك هذا الطبع اللئيم، فلا رجاء للخير، ولا سبيل إلا السعادة.
(1) يحفزه: يدفعه.
(2) الأفعى: الحية العظيمة - وناقع: مجتمع ثابت. وسم ناقع: بالغ قاتل.
(3) الأدواء: جمع داء.
(4) الجم الغفير: العدد الكبير.