الصفحة 33 من 137

بل كيف لا يأنف (1) أن يرى الشقاء قد عمّ الآمة، وهو لا يعبأ (2) بما يعتريها من الآلام، ولايألم لمافي أفئدتها من السهام (3) ؟!

إنّ ذلك لَمِنْ ضعف الشعور، وموتِ الوجدان، وفسادِ الأخلاق! وإنّ من يرضى بذلك، ولا يشعر بما يصيب المجموع، لهو من البهائم التي لا تعرف من الحياة إلا اللهوَ والطعامَ والشرابَ.

وأكثر بهيمية منه وأشدّ وطأة (4) على الحياة الاجتماعية، من يسعى لمصلحته الشخصية سعيها، وهو يعلم أنها السهم النافذ في صميم المصلحة العامة (5) والقضاء المبرم (6) على حياة المجموع!

إنّ مثل هؤلاء الناس عبء (7) ثقيل على المجتمع، ومرض وبيل في جسم الاجتماع.

ألا يدري من كان على هذه الشاكلة، أنّ عمله يعود عليه بالخسران!

ألا يعلم أنه فرد من أفراد الأمّة التي سعى للضرر بها، ألا يفهم أن ضرر المجموعة يعود على الفرد! أم يظّن أنه ناج من سوء عمله مُتفصٍّ (8) من عاقبة شرّه.

إنْ ظّن ذلك فقد ظّنّ باطلًا، لأننا لم نَرَ أحدا يضر الأمةَ لِمنفعة نفسه، إلاّ عاد عليه عمله بالضرر المبين، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.

ألا إنّ هناك قوما قد ضرب الله بينهم وبين الحق بِسُور، ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قِبَله العذاب (9) ، فهم يعملون على خضد شوكة (10)

(1) لا يأنف: لا يستنكف.

(2) لا يعبأ: لا يبالي.

(3) السهام: النبال، والمفرد: سهم.

(4) الوطأة: الضغطة والدوسة، ويراد بها الشدة.

(5) الصميم: العظم الذي به قوام العضو.

(6) القضاء المبرم: الذي لا مردّ له.

(7) وبيل: شديد.

(8) متفصّ: متخلص متملس.

(9) مِنْ قِبَله: من جهته.

(10) خضد الشوكة: كسرها وقطعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت