شقاء الحياة النّكباتِ (1) ، ولو عقلوا لَطَرحوا بهذا الخلُق الشّائن الأرضَ (2) ، واستمسكوا بِعُرَى الرّجاء (3) ، وأقدموا على العمل إقدامَ الأَشِدَّاء، الذين يرون أن في اليأس الداءَ، وفي الرجاء الشفاء.
وبعدُ، فإن هناك قوما لا يُثَبِّط (4) هِمَمهم بُعْدُ الغاية التي يقصدون إليها، ولا يحولُ بينهم وبين ما يرجون، ما يَعْتَرضُ رجاءهم، ويصادم آمالهم، بل يندفعون اندفاعَ القضاء المُنْزَل، ويُقْدِمون إقدام الأتيّ المرسل (5) ، لا يلويهم عن أمانيهم لاوٍ (6) ، ولا يَثْنِيهم ثانٍ، وأولئك هم القومُ حقا، وبهم تحيا الأمة.
هذه الفئةُ الناهضة، تعلمُ حق العلم، أن رجاءَ الأعمال داعيةُ الإقدام عليها، وسبب تحقيق حصولها، فلا يُقْعِدُهم عنها صعفُ الأمل، ولا ضآلة نوره (7) .
هي تعتقد اعتقادا لا يشوبُه شكّ (8) ، ولا يخالطه ريبٌ، أن الحياة مع اليأس موتٌ، وتقول مع القائل:"ما أضيقَ العيشَ لولا فسحة الأمل".
فاجعلوا، أيها الناشئون، الرجاءَ شعاركُم، والأملَ دِثَارَكُم (9) ، واتركوا تَثْبِيْطَ المُثَبِّطِيْن، ولَيَّ اللّاوين، وَثَنْيَ الثانين (10) ، وكونوا من الراجين الآملين، الساعين العاملين، والله لكم مُعِين.
(1) النكبات: المصائب.
(2) الشائن: العائب.
(3) العرى: جمع عروة: وهي: كل ما يوثق به ويعول عليه. وأصلها: مقبض الدلو والكوز ونحوهما، وما يدخل فيه الزر من القميص وغيره.
(4) لا يثبط: لا يعوق ولا يؤخر.
(5) الأتيّ: السيل يأتي من بعيد.
(6) يلويهم: لا يثنيهم ولا يصرفهم، وماضيه لوى، ومصدره اللي، واسم الفاعل اللاوي.
(7) ضآلة النور: ضعفه وقلته.
(8) لا يشوبه: لا يخالطه.
(9) الشعار: العلاوة، وثوب يلبس تحت الدثار. والدثار: ثوب يلبس فوق الشعار.
(10) الثني: مصدر ثناه عن الأمر يثنيه أي صرفه عنه.