تحُلّ بها، إلا كانوا جراثيم أوبائها (1) . وما من فسوق إلا كانوا عمادَه وذَرْوَة سَنامه (2) .
إن النفوس لتضري بالشهوات (3) حتى تستحوذ عليها (4) ، فلا تتركُ فيها منفذًا إلا وَلَجَتْه (5) ، ولا متّسعا إلا ملأته. وما ذلك إلا من الترف، فإنه يدعو إلى التبسط في الملذات (6) وإعطاء النفس الأمارة هواها، وإجابة ميولها. ومتى لَهَتِ الأمةُ بأهوائها (7) واشتغلت بشهواتها، وعبثت بمرافقها (8) وغفلت عن مقومات حياتها، أسرع إليها الفساد، وعَمَّها البلاءُ، وحاطتها الأرزاءُ (9) .
عُجَّ بطرفك نحوَ الأمم الخالية، تجد أن الترف قد قضى عليها، حتى جعلها عبرةً لمن يأتي بعدها.
هذه الأمة الرومانية، والأمة الفارسية، والأمة العربية، فإنها بعد أن كانت في ذُرَى المجد والسعادة، قد هوى بها الترفُ إلى مكان سحيقٍ (10) ، ونزل بها التبسُّط في هوى النفس إلى الحضيض (11) . وربما كان هذا السببُ ممزوجا بغيره من الأسباب التي تدعو إلى الانحلال، ولكنه السببُ الأولُ الذي يجرّ وراءَه غيرَه من الأسباب.
وَقِسْ على هذه الأمم غيرها من الأمم الماضية، وابحَثْ تجدْ أن هذه العلة هي جرثومةُ الجراثيم، وعلةُ العلل.
قارنْ اليومَ بين أخلاق أهل البادية وأخلاق سكان الحواضر، وقايِسْ بين
(1) الأوباء: الأمراض، والمفرد: وبأ، وأما الوباء: فجمعه أوبئة.
(2) ذروة كل شيء: أعلاه - والسنام في الأصل: ما ارتفع من طهر الجمل، والجمع أسنمة.
(3) تضري بالشهوات: تولع بها حتى تعتادها.
(4) تستحوذ عليها: تستولي عليها.
(5) ولجته: دخلته.
(6) التبسط: الاجتراء وترك الاحتشام.
(7) أهواء: جمع هوى النفس.
(8) عبثت: هزأت واستخفت ولهت - والمرافق: المنافع والمصالح.
(9) الأرزاء: المصائب، والمفرد: رزء.
(10) سحيق: بعيد.
(11) الحضيض: الأرض وأسفل الجبل.