الصفحة 43 من 137

الاجتماع، وحكماء الأخلاق، أكثرُ من حاجتها إلى من يداوي أجسامها.

إنْ مرضت الأمة مَرَضًا وَبِيْلًا فتّاكا، فذلك لا يقضي إلا على حياة عَشَرَة في الألف من مجموعها، ثم يكون الداءُ دواءً. وإن مرضتْ مرضًا اجتماعيا، قضى مَرَضُها على تسعة وتسعين في المائة. وأنتم ترن، معشر الناشئين، أن القضاء على حياة الأفراد أسهل من القضاء على حياة المجموع.

وبعد، فلا يمكن شعبا من الشعوب أن ينهض، إلا إذا كان بين ظهرانَيْه (1) من يُداوي أخلاقه،، ويدفعه إلى الترقِّي، ويَهيج منه عاطفةَ التّنَبُّه، ويثير فيه كامن المعالي (2) .

وبقدر ما لديه من هؤلاء المداوين يكون مقدار تَنَبُّهه أو خموله.

الأمم لا تنهض إلا بترقية الأخلاق الفاضلة، واستئصال (3) كل خلق فاسد من نفوسها، وتهذيب نظام اجتماعها. ومتى تمّ لها ذلك، هان عليها كل شيء بعده: كتغيير أنظمتها (4) السياسية والاقتصادية (5) والعمرانية.

ولا يمككنا تنمية الأخلاق (6) العالية، وإصلاحُ ما اختلّ من قواعد الاجتماع، إلا بالثورة الأدبية، التي يَهِيْجها في نفوس الأمة أولئك المسلحون من أطباء الاجتماع، والأخلاق، رويدا رويدا، حتى تُسْتَأْصل شأفاتُ (7) الأخلاق الفاسدة، فَيَحُلُّ محلّها صالحُ العادات.

الثورة الأدبيةُ: قيامُ أفراد من الأمة - حسنت أخلاقهم، وصَفَتْ سرائرُهم، وزَكَتْ أعرافُهم (8) - لِيُغيّروا فيها حالتها الاجتماعية والخلقية، فَيُهِيْبُون (9) بها

(1) بين ظهرانيه: في وسطه.

(2) يهيج ويثير: يحرك - كامن: مختبئ.

(3) الاستئصال: قلع الشيء من أصله.

(4) الأنظمة جمع نظام، ويجمع أيضا على أناظيم ونظم"بضم النون والظاء".

(5) السياسية: علم تدبير أمور الدولة والرعية - والاقتصاد: علم تنمية الثروة.

(6) تنمية الأخلاق: تربيتها لتنمو نماء حسنا.

(7) الشأفات: الأصول، والمفرد: شأفة.

(8) زكت: طابت - والأعراف: الأصول، والمفرد: عرف.

(9) يهيبون بها: يصرخون بها ويزجرونها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت