بالحيطة (1) ، ولا ينفي عنه ما يضرّ به من حشراتٍ ونبات، ولا يمدّ إليه مِنْجَلَ التطهير - تمرضُ تُرْبَتُه فلا تقوى على الإنبات، وتَضْعُفُ أشجارُه، فلا تستطيع الثبات، وتَذْبُلُ أغصانُه، فلا تجود بالثمرات.
وما ذلك إلا لفقد أسباب التجدد. والتجددُ سر البقاء.
الأمة هي الأشجارُ في بستان الحياة، ومرشدوها هم الحراثُ، فإن أهملوا شأنَ تربيتها - فتركوا أمرَ تعليمها، ولم يُرَقُّوا عقولها، ولم يُهَذِّبُوا أخلاقَها، ولم ينفوا عنها ما يطرأُ عليها من فاسدِ العادات وضارِّ الأخلاق، ولم يتعهّدوها بما يحدث من جديد المحارث، وحديثِ الوسائل المحيية، ولم يُهِيبوا بها (2) لتنهضَ وتحيا حياةً سعيدةً - كانت عاقبتُها الخمولَ فالذبولَ، فاليُبْسَ، فالاستئصالَ من بُسْتان الحياة (3) .
التجدد يكون في المعقولات، كما يكون في المحسوسات، فإذا كانت الأجسام الحيَّةُ محتاجةً إلى التجدد - لتحافظَ على حياتها - فكذلك معنوياتُ الأمة، يجب أن تتجدد بتجدّد حاجاتها.
وإن كان البستان - وإن بالغَ البستانيُّ بتعهّده وتجويده - لا بدّ أن يظهر بين نباته الطيب نباتٌ فاسدٌ وحشراتٌ ضارّةٌ، فكذلك الأخلاقُ والعادات، لا تلبث أن يندسّ فيها (4) من الأوضار ما يُشَوِّه محاسنَها (5) ويفسد صالحها.
فالبستانيُّ لا يجوز له أن يهمل ذلك النباتَ الفاسد، ولا تلك الحشرةَ الخبيثة، كيلا تُفسد النباتَ كلّه.
والأمة يجب أن تتنبّه لكل خُلُق خليقٍ بالرفض (6) ، وكل عادةٍ جديرةٍ بالطرح، فتعملَ على محوهما، حتى لا يتعدّى ضررهما إلى فاضل الأخلاق وحسَنِ العادات.
(1) الحيطة: الحفظ والتفقد.
(2) أهاب به يهيب: صرخ به وزجره.
(3) الاستئصال: القلع والنزع.
(4) يندس: يدخل ويندفن.
(5) الأوضار: الأوساخ، والمراد بها الأخلاق الفاسدة، والمفرد وضر - بفتح الواو والضاد - ويشوه: يقبح.
(6) خليق: جدير.