فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 408

وينبغى لمن يريد أن يتحقق بتسبيحه أيضا أن ينزه مطعمه من الحرام والشهوات، فإنه قد ورد الخبر بأن لحما نبت من حرام فالنار أولى به.

وقال بعض الحكماء: عجبت لمن يترك الحلال مخافة الداء، ولا يترك الحرام مخافة النار.

وحكى عن بعضهم أنه قال: رأيت شابا عليه عباءة وبيده ركوة فقال لى: إنى إنسان أقصد الورع فلا آكل إلا ما ألقاه الناس، فربما أجد قشرة شيء سبقنى إليه النمل فألقيه ولا أتناوله، فهل عليّ من ذلك شيء؟ قال: فقلت في نفسى: بقى على وجه الأرض من يتورع في مثل هذا؟ كالمنكر له غير المصدق بمقامه، قال: فنظرت فإذا الرجل واقف على أرض من فضة صافية، فقال لى: الغيبة حرام، وغاب عن بصرى.

ومعنى الحكاية أنه لما ترك ما حجب الخلق عن الله أكرمه الله بنور الإشراق، حتى نطق عما خطر بقلبه من الإنكار، ثم أخفاه الله تعالى عنه بشؤم الاعتراض، وهكذا سنة الله في أوليائه أن يسترهم عمن لا يبلغ مرتبتهم.

فصل

تقديس الأعمال عن الرياء

وينبغى له أن يقدس أعماله عن الرياء والمصانعات والتزين للمخلوقين بإظهار الطاعات، فإن الله تعالى لا يقبل من الأعمال، إلا ما كان بوصف الإخلاص لله تعالى: (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة: 5) .

وحكى عن بعضهم عن سهل بن عبد الله أنه قال: هل لك أن تحضر الجمعة؟ قال: فقلت: وكيف وبيننا وبين الجامع مسيرة يوم وليلة، قال فأخذ بيدى، فلم يكن إلا قليلا حتى رأيت الجامع، فدخلنا وصلينا، فلما خرجنا نظر إلى الناس يجرون فقال: أهل لا إله إلا الله كثير والمخلصون منهم قليل.

وفى الخبر: «أخلص العمل يكفك القليل منه» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت