ومن حميد سنته وجميل فضله وعادته أنه إذا تغير لعبد وقت أو تلون له حال أو خانه زمان أنس استبدل غيبته بوصال يجدد أيامه الدارسة ويعيد عليه أوقاته الذاهبة، كما قيل:
لئن درست آثار ما كان بيننا…
من الوصل ما شوقى إليك بدارس
وما أنا من يجمع الله بيننا…
كأحسن ما كنا عليه بآيس
وأنشدوا:
أؤمل عطف الدهر بعد انصرافه…
فيا أملى في الدهر هل أنت كائن
وذهب جماعة من المشايخ إلى أن الأوقات ليس لها بدل، وأن من فاته وقت فلا يكون له إليه وصول، وأنشدوا:
فخل سبيل العين ويحك للبكا…
فليس لأيام الشباب رجوع
سمعت الدقاق يقول: تمادى بكاء داود عليه السلام فأوحى الله إليه: إلى كم تبكى؟ إن كان هذا البكاء من خوف النار فقد أمنتك، وإن كان لطلب الجنة فقد بشرتك، وإن كان لذنب الخصم فقد أرضيته، فزاد داود في البكاء وقال: إنما أبكى لما فاتنى من صفاء ذلك الوقت، فرد عليّ ذلك الوقت، فأوحى الله إليه: هيهات يا داود، لا سبيل إلى ذلك، فإن شئت فابك، وإن شئت فاسكت، فقال داود: الآن طاب البكاء.