ومن علم أنه سبحانه رقيب عليه لم يخاطب أحدا إلا وقلبه مع الله تعالى، فأوقاته كلها جد وأحواله كلها صدق، انتفى المزح والهزل عن أحواله أجمع.
سمعت الدقاق يقول: يحكى عن ممشاد الدينورى أنه قال: جرت لى مع فقير حكاية فما مازحت بعدها فقيرا لأنى علمت أن أوقات الفقراء كلها جد وذلك أنه ورد عليّ فقير يوما فقال لى: يا أستاذ أريد العصيدة، فقلت: إرادة وعصيدة! فمر الفقير وهو يقول: إرادة وعصيدة، إرادة وعصيدة، قال: فظننت أنه يمزح فتغافلت عنه، ثم تذكرت أمره فقلت لبعض أصحابنا: أصلحوا له عصيدة، قال: فطلب الرجل فلم يوجد، فسألت عن حاله فقالوا: إنه هام على وجهه فلم يزل يقول: إرادة وعصيدة حتى مات.
ويحكى أنه كان بين أحمد بن أبى الحوارى وبين أبى سليمان الدارانى عقد أن لا يخالفه في شيء يأمره به، فسجر أحمد التنور يوما وقال لأبى سليمان سجرت التنور، فلم يجبه، فقالها مرتين أو ثلاثا، وكان أبو سليمان ضاق صدره من شيء فقال: إيش أفعل؟ قال له: مر واقعد فيه، واشتغل بشيء ثم تذكر أمره بعد ساعة فقال: أدركوا أحمد لأنه في التنور، لأن بينى وبينه عقدا أن لا يخالفنى، قال: فنظروا فإذا أحمد في التنور لم تتغير منه شعرة.