فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 408

فصل: الإخلاص في الود والصدق في الحب:

اعلم أن من أخلص في وده وصدق في حبه كان استلذاذه بمنعه أكثر من استلذاذه بعطائه، فإن كل أحد يذكره وهو بقربه، وإنما المخلص في عقده وصدقه من لا يفتر عن أداء حقه، وإن كان يبتليه ويعذبه.

وحكى أن الشبلى كان في داره ديك يصيح بالليل، فأخذه ليلة وشد قوائمه وطرحه في بيت فلم يصح تلك الليلة، فلما أصبح قال له: يا مدّع، إنما كنت تذكره من رأس العافية، فلما أصابك البلاء سكت ولم تذكره، وأنشدوا:

وفى بعض الحكايات أن أميرا عرضت عليه جارية بمائة ألف درهم، فأحضر الثمن، فلما نظر الأمير إليها استكثر الثمن وقال: إن شراء مملوكة بهذا الثمن لغال، فقالت الجارية: اشترنى يا أمير المؤمنين، فإن فىّ مائة خصلة، كل واحدة منها تساوى أكثر من مائة ألف درهم، فقال: وما ذاك؟ فقالت: أدناها أنك إن اشتريتنى وقدمتنى على جميع عبيدك لم أغلظ في نفسى وعلمت أنى مملوكة فاشتراها.

وحكى أنه رفع إلى عمر بن عبد العزيز، رحمة الله عليه، أن ابنك اتخذ خاتما اشترى له فصا بألف درهم، فكتب إليه: أما بعد، فلقد بلغنى أنك اشتريت فصا بألف درهم، فبعه وأشبع به ألف جائع، واتخذ خاتما من حديد صينى، واكتب عليه: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه.

وقد قيل: الفقير في خلقه (1) أحسن منه في جديد غيره، ولا شيء أحسن على الخدم من التواضع بحضرة السادة، وفى معناه أنشدوا:

ويظهر في الهوى عز الموالى…

فيلزمنى له ذل العبيد

ـ سلم ومبايعة.

والسلم كالسلف لفظا ومعنى، تدفع مقدارا من المال مقدما لتأخذ البضاعة بعد مدة بشروط معروضة في كتب الفقه.

ومن استعبدته شهوة المطعم والمنكح فهو حقير، وإن كان ذلك دائما، وإنما المتكبر من يستحقر كل شهوة وحظ يتصور أن يساهمه فيها البهائم.

(1) ثيابه القديمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت