وإذا علم أن الجبار بمعنى مصلح الأمور، فوض أموره إلبه، وتوكل في جميع أحواله عليه، إن كان خيرا علم أنه مسديه ومتحفه، وإن كان ضرا علم أنه ينجيه منه ويكشفه، لم يحتشم من اختلال أحواله وقلّة ماله، وكثرة عياله، وضعف احتياله، ثقة بلطفه وأفضاله، واستكانة إلى جوده وكريم نواله وحسن أفعاله.
وقد حكى أن رجلا كان كثير العيال، وأنه ضاقت عليه أسباب المعيشة فهمّ أن يهرب عنهم، فاستقبله شخص فقال له: هل تأجرنى على أن تسقى طيرا لى في القفص فترويه وتأخذ منى دينارا، فاسترخص الرجل ذلك، وأجابه إليه، فدله على بئر وقال: تستقى من هذا البئر وتروى هذا الطائر، فلم يزل الرجل يسقى الطائر طول نهاره إلى المساء، والطائر لم يرو، فلما أمسى ضاق صدر الرجل، فقال له ذلك الشخص: إنى لست ببشر، وإنما أنا ملك بعثنى الله إليك ليريك ضعفك، إنك لم تقدر أن تروى طائرا، فكيف ترزق عيالك! ارجع إليهم وانتظر الرزق من الله تعالى، فإنه هو الرزاق لا أنت.
وحكى عن بعض الصالحين أنه سئل عن سبب توبته فقال: إنى كنت رجلا دهقانا (الدهقان يطلق على رئيس القرية) فاجتمع عليّ أشغال ليلة من الليالى، كنت أحتاج إلى أن أسقى زرعا لى، وكنت حملت حنطة إلى الطاحونة فوثب حمارى وضل، فقلت: إن اشتغلت بطلب الحمار فات سقى الزرع، وإن اشتغلت بالسقى ضاع الطحين والحمار، وكان ذلك ليلة الجمعة، وبين قريتى وبين الجامع مسافة بعيدة، فقلت: أترك هذه الأمور كلها وأمضى إلى القصبة (1)
(1) القصبة من البلاد مدينتها.