فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 408

فالعزيز من يمتنع فيشكر، ويبتلى فلا يشكو من يعرفه ولا يضجر، يستلذ لحكمته الهوان، ويستحلى منه الحرمان دون الإحسان، وفى معناه أنشدوا:

وأهنتنى فأهنت نفسى صاغرا…

ما من يهون عليك ممن يكرم

أشبهت أعدائى فصرت أحبهم…

إذا كان حظى منك حظى منهم

وكان الدقاق، رحمه الله تعالى، كثيرا ما يقول: إنما يستعذب الأولياء البلوى للمناجاة مع المولى.

واعلم أن القلوب مجبولة على أن تتحمل المشاق من الأكابر والأعزة، والانقياد إلى أحكام من تجل رتبته بمواطأة القلب حتم مستحسن، ولهذا قيل: إنما يعرفه عزيزا من أعز أمره وطاعته، فأما من استهان بأوامره فمن المحال أن يكون متحققا بعزة مولاه. وفى هذا المعنى حكى أن رجلا قال لبعض العارفين: كيف الطريق إليه؟ فقال: لو عرفته عرفت الطريق إليه، فقال: أتراني أعبد من لا أعرفه؟ فقال المسئول: أو تعصى من تعرفه.

وقيل لبعضهم: ما علامة أنك تعرفه؟ فقال: لا أهم بمخالفته إلا نادانى من قلبى مناد: أستحي منه.

وقيل لبعضهم: متى عرفته؟ فقال: ما عصيته منذ عرفته.

وقيل: العزيز من لا يرتقى إليه وهم طمعا في تقديره ولا يسمو إلى صمديته، فهم قصد إلى تصوير، وقيل العزيز من ضلت العقول في بحار عظمته، وحارت الألباب دون إدراك نعمته، وكلت الألسن عن استيفاء مدح جلاله، ووصف جماله، وفى معناه أنشدوا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت