أن تكون بيننا وبين ربنا واسطة، ثم قالت لأمها: لما رفعت صوتك بإظهار السر علمت أن الله يؤدبنا بإظهار الرفق على يد مخلوق.
فصل: رزق الأرواح والسرائر:
واعلم أنه يرزق الأرواح والسرائر كما يرزق الأشباح والظواهر، وأرزاق القلوب الكشوفات والمعانى، كما أن أرزاق الأجساد الغذاء والأحاظى.
يحكى أن رجلا كان يخدم سهل بن عبد الله فأصابه الجوع فقال: يا أستاذ القوت، فقال سهل: الله الحى الّذي لا يموت، ثم قال له بعد مدة: يا أستاذ لا بد من القوت فقال سهل: لا بد من الله الحى الّذي لا يموت.
وقيل لبعضهم: أى شيء القوت؟ فقال: ذكر الحى الّذي لا يموت، وفى معناه أنشدوا:
إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها…
فكم تلبث النفس التى أنت قوتها
والحق سبحانه وتعالى يقبض أرزاق الظواهر ويضيقها على قوم ويبسطها على قوم آخرين، كذلك سنته في أرزاق القلوب يرددها بين قبض وبسط، وقبول ورد، وإنما يعطيهم إذا شاء ما شاء كما شاء، لا بعلة استحقاق، ولا بسبب إيجاب.
قيل: إن موسى عليه الصلاة والسلام قال يوما في مناجاته: إلهى إنى جائع، فأوحى الله إليه: إنى أعلم ذلك، فقال: أطعمنى، فقال سبحانه: إلى أن أريد.
وكما أن للظواهر طعاما وشرابا كذلك للسرائر طعام وشراب، قال أهل الإشارة في قوله تعالى: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) (1) لم يشر إلى طعام معهود ولا إلى شراب مألوف، وإنما أشار إلى طعام المعرفة وشراب المحبة.
(1) الشعراء: 79.