فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 367

وَإِذَا بَرِئَ الْمُصَابُ بِالدُّعَاءِ، وَالذِّكْرِ وَأَمْرِ الْجِنِّ وَنَهْيِهِمْ وَانْتِهَارِهِمْ وَسَبِّهِمْ وَلَعْنِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَرَضَ طَائِفَةٍ مِنَ الْجِنِّ أَوْ مَوْتَهُمْ فَهُمُ الظَّالِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ إذَا كَانَ الرَّاقِي الدَّاعِي الْمُعَالِجُ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِمْ، كَمَا يَتَعَدَّى عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعَزَائِمِ فَيَأْمُرُونَ بِقَتْلِ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَقَدْ يَحْبِسُونَ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَبْسِهِ؛ وَلِهَذَا قَدْ تُقَاتِلُهُمْ الْجِنُّ عَلَى ذَلِكَ، فَفِيهِمْ مَنْ تَقْتُلُهُ الْجِنُّ أَوْ تُمْرِضُهُ، وَفِيهِمْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ أَوْ دَوَابِّهِ.

وَأَمَّا مَنْ سَلَكَ فِي دَفْعِ عَدَاوَتِهِمْ مَسْلَكَ الْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَظْلِمْهُمْ، بَلْ هُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فِي نَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَالتَّنْفِيسِ عَنِ الْمَكْرُوبِ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شِرْكٌ بِالْخَلْقِ وَلَا ظُلْمٌ لِلْمَخْلُوقِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا تُؤْذِيهِ الْجِنُّ إمَّا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأَنَّهُ عَادِلٌ؛ وَإِمَّا لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ. وَإِنْ كَانَ الْجِنُّ مِنَ الْعَفَارِيتِ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَقَدْ تُؤْذِيهِ، فَيَنْبَغِي لِمِثْلِ هَذَا أَنْ يَحْتَرِزَ بِقِرَاءَةِ الْعَوْذِ مِثْلَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَالْمُعَوِّذَاتِ وَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُقَوِّي الْإِيمَانَ، وَيُجَنِّبُ الذُّنُوبَ الَّتِي بِهَا يُسَلَّطُونَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ، فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَنْصُرَ الْعَدُوَّ عَلَيْهِ بِذُنُوبِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فَوْقَ قُدْرَتِهِ فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، فَلَا يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ.

وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَنْتَصِرُ بِهِ عَلَيْهِمْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ» ،قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ» ،فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لاَ أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ» ،قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت