فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 367

سَبَبُ الْحَسَدِ أَنَّ الطِّبَاعَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ التَّرَفُّعِ عَلَى الْجِنْسِ، فَإِِذَا رَأَى لِغَيْرِهِ مَا لَيْسَ لَهُ أَحَبَّ أَنْ يَزُول ذَلِكَ عَنْهُ إِلَيْهِ لِيَرْتَفِعَ عَلَيْهِ أَوْ مُطْلَقًا لِيُسَاوِيَهُ. [1]

وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الإِِْحْيَاءِ سَبْعَةَ أَسْبَابٍ لِلْحَسَدِ:

السَّبَبُ الأَْوَّل: الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ، وَهَذَا أَشَدُّ أَسْبَابِ الْحَسَدِ، فَإِِنَّ مَنْ آذَاهُ شَخْصٌ بِسَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ وَخَالَفَهُ فِي غَرَضٍ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ أَبْغَضَهُ قَلْبُهُ، وَغَضِبَ عَلَيْهِ، وَرَسَخَ فِي نَفْسِهِ الْحِقْدُ. وَالْحِقْدُ يَقْتَضِي التَّشَفِّيَ وَالاِنْتِقَامَ فَإِِنْ عَجَزَ عَنْ أَنْ يَتَشَفَّى بِنَفْسِهِ أَحَبَّ أَنْ يَتَشَفَّى مِنْهُ الزَّمَانُ.

السَّبَبُ الثَّانِي: التَّعَزُّزُ، وَهُوَ أَنْ يَثْقُل عَلَيْهِ أَنْ يَتَرَفَّعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَإِِذَا أَصَابَ بَعْضُ أَمْثَالِهِ وِلاَيَةً أَوْ عِلْمًا أَوْ مَالًا خَافَ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ لاَ يُطِيقُ تَكَبُّرَهُ، وَلاَ تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِاحْتِمَال صَلَفِهِ وَتَفَاخُرِهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِهِ أَنْ يَتَكَبَّرَ، بَل غَرَضُهُ أَنْ يَدْفَعَ كِبْرَهُ، فَإِِنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِمُسَاوَاتِهِ مَثَلًا، وَلَكِنْ لاَ يَرْضَى بِالتَّرَفُّعِ عَلَيْهِ.

السَّبَبُ الثَّالِثُ: الْكِبْرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي طَبْعِهِ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ وَيَسْتَصْغِرَهُ وَيَسْتَخْدِمَهُ وَيَتَوَقَّعَ مِنْهُ الاِنْقِيَادَ لَهُ وَالْمُتَابَعَةَ فِي أَغْرَاضِهِ، وَمِنَ التَّكَبُّرِ وَالتَّعَزُّزِ كَانَ حَسَدُ أَكْثَرِ الْكُفَّارِ لِرَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ قَالُوا: كَيْفَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْنَا غُلاَمٌ يَتِيمٌ وَكَيْفَ نُطَأْطِئُ رُءُوسَنَا لَهُ فَقَالُوا: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) } [الزخرف: 31 - 32]

السَّبَبُ الرَّابِعُ: التَّعَجُّبُ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الأُْمَمِ السَّالِفَةِ إِذْ قَالُوا: {قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} [يس: 15] .وَقَالُوا: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون: 47] - وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ [المؤمنون: 34] ، فَتَعَجَّبُوا مِنْ أَنْ يَفُوزَ بِرُتْبَةِ الرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ وَالْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ

(1) - فتح الباري 1/ 166 ط الرياض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت