فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 367

إِنَّ الْحَاسِدَ لاَ يَنَال فِي الْمَجَالِسِ إِلاَّ نَدَامَةً، وَلاَ يَنَال عِنْدَ الْمَلاَئِكَةِ إِلاَّ لَعْنَةً وَبَغْضَاءَ، وَلاَ يَنَال فِي الْخَلْوَةِ إِلاَّ جَزَعًا وَغَمًّا، وَلاَ يَنَال فِي الآْخِرَةِ إِلاَّ حُزْنًا وَاحْتِرَاقًا، وَلاَ يَنَال مِنَ اللَّهِ إِلاَّ بُعْدًا وَمَقْتًا. [1]

وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ الْحَسَدِ مَا إِذَا كَانَتِ النِّعْمَةُ الَّتِي يَتَمَنَّى الْحَاسِدُ زَوَالَهَا عِنْدَ كَافِرٍ أَوْ فَاسِقٍ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى. [2]

أَمَّا إِذَا كَانَ الْحَسَدُ مَجَازِيًّا، أَيْ بِمَعْنَى الْغِبْطَةِ فَإِِنَّهُ مَحْمُودٌ فِي الطَّاعَةِ، وَمَذْمُومٌ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَمُبَاحٌ فِي الْجَائِزَاتِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"لاَ حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ، فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلاَنٌ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الحَقِّ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلاَنٌ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ" [3]

أَيْ كَأَنَّهُ قَال: لاَ غِبْطَةَ أَعْظَمُ أَوْ أَفْضَل مِنَ الْغِبْطَةِ فِي هَذَيْنِ الأَْمْرَيْنِ. [4]

عِلاَجُ الْحَسَدِ:

ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الإِِْحْيَاءِ أَنَّ الْحَسَدَ مِنَ الأَْمْرَاضِ الْعَظِيمَةِ لِلْقُلُوبِ، وَلاَ تُدَاوَى أَمْرَاضُ الْقُلُوبِ إِلاَّ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَل، وَالْعِلْمُ النَّافِعُ لِمَرَضِ الْحَسَدِ هُوَ أَنْ تَعْرِفَ تَحْقِيقًا أَنَّ الْحَسَدَ ضَرَرٌ عَلَى الْحَاسِدِ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَأَنَّهُ لاَ ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَحْسُودِ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ.

أَمَّا كَوْنُهُ ضَرَرًا عَلَى الْحَاسِدِ فِي الدِّينِ، فَهُوَ أَنَّ الْحَاسِدَ بِالْحَسَدِ سَخِطَ قَضَاءَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَرِهَ نِعْمَتَهُ الَّتِي قَسَمَهَا بَيْنَ عِبَادِهِ، وَعَدْلَهُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي مُلْكِهِ بِخَفِيِّ حِكْمَتِهِ، فَاسْتَنْكَرَ ذَلِكَ وَاسْتَبْشَعَهُ وَهَذِهِ جِنَايَةٌ عَلَى حَدَقَةِ التَّوْحِيدِ، وَقَذًى فِي عَيْنِ الإِِْيمَانِ، وَكَفَى بِهِمَا جِنَايَةً عَلَى الدِّينِ.

(1) - تفسير القرطبي 20/ 260 ط المصرية، تحفة المريد على جوهر التوحيد / 126 ط الأزهرية.

(2) - فتح الباري 1/ 167 ط الرياض.

(3) - [صحيح البخاري 6/ 191] (5026) (يهلكه في الحق) ينفقه في طاعة الله تعالى وسبل الخير]

(4) - فتح الباري 1/ 167 ط الرياض، صحيح مسلم بشرح النووي 6/ 97 ط المصرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت