فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 367

ذَلِكَ بِأَنَّ فِي الْفَاتِحَةِ مَعْنَى الاِسْتِعَاذَةِ، وَهُوَ الاِسْتِعَانَةُ، فَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ الْجَوَازُ بِمَا يَشْتَمِل عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، [1]

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَعَوَّذُ مِنَ الجَانِّ وَعَيْنِ الإِنْسَانِ حَتَّى نَزَلَتِ المُعَوِّذَتَانِ فَلَمَّا نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا» [2]

وَهَذَا لاَ يَدُل عَلَى الْمَنْعِ مِنَ التَّعَوُّذِ بِغَيْرِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ، بَل يَدُل عَلَى الأَْوْلَوِيَّةِ، وَلاَسِيَّمَا مَعَ ثُبُوتِ التَّعَوُّذِ بِغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا اجْتَزَأَ بِهِمَا لِمَا اشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنْ جَوَامِعِ الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ كُل مَكْرُوهٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا.

قَال الحافظ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَئِذٍ: لاَ يَلْزَمُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الرُّقَى بِالْمُعَوِّذَاتِ أَنْ يُشْرَعَ بِغَيْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ، لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ فِي الْمُعَوِّذَاتِ سِرٌّ لَيْسَ فِي غَيْرِهَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - تَرَكَ مَا عَدَا الْمُعَوِّذَاتِ، لَكِنْ ثَبَتَتِ الرُّقْيَةُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَدَلَّ عَلَى أَنْ لاَ اخْتِصَاصَ لِلْمُعَوِّذَاتِ، وَفِي الْفَاتِحَةِ مِنْ مَعْنَى الاِسْتِعَاذَةِ بِاَللَّهِ الاِسْتِعَانَةُ بِهِ، فَمَهْمَا كَانَ فِيهِ اسْتِعَاذَةٌ أَوِ اسْتِعَانَةٌ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ - أَوْ مَا يُعْطِي مَعْنَى ذَلِكَ - فَالاِسْتِرْقَاءُ بِهِ مَشْرُوعٌ. وَيُجَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّهُ تَرَكَ مَا كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِ مِنَ الْكَلاَمِ غَيْرَ الْقُرْآنِ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِتَبْوِيبِ الْبُخَارِيِّ بِعِنْوَانِ (الرُّقَى بِالْقُرْآنِ) بَعْضَهُ، فَإِنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَصْدُقُ عَلَى بَعْضِهِ، وَالْمُرَادُ مَا كَانَ فِيهِ الْتِجَاءٌ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمُعَوِّذَاتُ. وَقَدْ ثَبَتَتِ الاِسْتِعَاذَةُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ كَمَا مَضَى. قَال ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْمُعَوِّذَاتِ جَوَامِعُ مِنَ الدُّعَاءِ تَعُمُّ أَكْثَرَ الْمَكْرُوهَاتِ مِنَ السِّحْرِ وَالْحَسَدِ وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَوَسْوَسَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَكْتَفِي بِهَا. [3]

وقَد أَجمَعَ العُلَماء عَلَى جَواز الرُّقَى عِند اجتِماع ثَلاثَة شُرُوط: أَن يَكُون بِكَلامِ الله تَعالَى أَو بِأَسمائِهِ وصِفاته، وبِاللِّسانِ العَرَبِيّ أَو بِما يُعرَف مَعناهُ مِن غَيره، وأَن يَعتَقِد أَنَّ الرُّقيَة لا تُؤثَر

(1) - فتح الباري 10/ 195 - 197.

(2) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 395) (2058) صحيح

(3) - صحيح ابن حبان - مخرجا (8/ 199) (3408) صحيح وانظر: الشبراملسي على النهاية 3/ 369.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت