وأما الحديثُ الذي يدلُّ لهم، فالجوابُ عنه ممكنٌ، وهو أن يقال: إن هذا اللفظ للمبالغة كما بولِغَ بالقليلِ المحدودِ عن الكثيرِ في قوله - صلى الله عليه وسلم:"من بنى لله مسجِدًا، ولو مثلَ مِفْحَصِ قَطَاةٍ [1] ، بنى اللهُ له بيتًا في الجنة" [2] .
ثم اختلف القائلون باعتبار النِّصابِ في قدره على أقوال كثيرة، والمشهورُ منها ثلاثة أقوال.
أحدها: قولُ مالِكٍ وأهلِ الحجاز [3] : أنه ثلاثةُ دراهمَ من الفضة، وربعُ دينارٍ من الذهب، أو ما يساوي ثلاثةَ دراهمَ من سائِر الأشياء، فجعلَ الدراهمَ وربعَ الدينار أصلين في أنفسِهما، وجعلَ الدراهمَ أصلًا في غيرِهما.
واستدلُّوا [4] بقولِ عائشةَ -رضي الله تعالى عنها - سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"تُقْطَعُ اليدُ في ربعِ دينارٍ فصاعدًا" [5] ، وبما روى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قطعَ في مِجَنٍّ قيمتُه ثلاثةُ دراهم [6] .
القول الثاني: ما ذهبَ إليه الشافعيُّ أنه ربعُ دينارٍ فقط [7] ، وأنه أصلٌ
(1) مفحص قطاة، مَفْحَص القطاة: حيثُ تُفرِّخ فيه من الأرض، قال ابن الأثير: هو مَفْعَل من الفحص كالأُفحوص، وجمعُه: مفاحص."اللسان" (مادة: فحص) (7/ 63) .
(2) رواه ابن أبي شيبة في"المصنف" (3155) ، والبزار في"مسنده" (479) ، والبيهقي في"السنن الكبرى" (2/ 437) ، عن أبي ذر الغفاري، بهذا اللفظ.
(3) وهو مذهب أحمد. انظر:"التمهيد"لابن عبد البر (14/ 375) ، و"شرح مسلم"للنووي (11/ 182) ، و"المغني"لابن قدامة (9/ 112) .
(4) في"ب":"واستدل".
(5) تقدم تخريجه.
(6) تقدم تخريجه.
(7) انظر:"مختصر المزني" (ص: 263) ، و"الحاوي الكبير"للماوردي =