فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قلنا: جازَ إسقاطُ اليقينِ هنا بالشَّكِّ؛ لئلاّ يوقعَ التمادي معهم في الهَلَكَة؛ لبُعْدِ استحكامِ خيانتَهم، فَيَتَّسعَ الخَرْقُ، ويَشُقَّ على المسلمين التدارُكُ، وأما الوَهْمُ المَحْضُ، فلا اعتبارَ به، نَصَّ عليهِ الشافعيُّ في"الأم" [1] ، واحتسبَ هذه الأحكامَ مُتَّفَقًا عليها.
ولكني رأيتُ في"جُزْءٍ"وقع عندي في هذا المَوْضِع منسوبٍ إلى ابن العربي: أنه عَقْدٌ جائزٌ ليسَ بلازم. قال: ويجوزُ للإمامَ أن يبعثَ إليهم، فيقول: نبذتُ إليكم عهدَكُمْ، فَخُذوا مِنِّي حِذْرَكُم، وادَّعى الاتفاقَ على ذلكَ [2] .
ودعواهُ الاتفاقَ ممنوعةٌ، بل الاتفاقُ واقعٌ -إن شاءَ الله تعالى- على خلافِه؛ كما هو موافق للكتابِ والسنَّةِ.
فإن كانَ يريدُ أنه عقدٌ جائزٌ عندَ خوفِ الخِيانة، فهو مُتَّفَقٌ عليه كما قال، لكنه قالَ عقبَ هذا الكلام: وهذا عندي إذا كانوا همُ الذينَ طلبوا، فإن طلبَهُ المسلمون لمدَّةٍ، لم يجزْ تركُه فيها بالاتفاق.
ودعواهُ بالاتفاقَ هنا أيضًا ممنوعةٌ، وذكرت هذا لكيلا يغترَّ به.
* هذا في خوفِ الخِيانة، وأما إذا صدرتْ منهمُ الخِيانَةُ، فإن العهدَ يَنْتَقِضُ، لا أعلمُ في ذلكَ خلافًا؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} إلى قوله: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} [التوبة: 12 - 13] ، ولهذا قصدَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أهلَ مَكَّةَ بالحربِ من غيرِ أن يَنْبِذَ إليهم، ولم يُعْلِمْهم، بل عَمَّى عليهم جِهَةَ غَزْوِهِ.
(1) انظر:"الأم"للإمام الشافعي (4/ 185) .
(2) انظر:"أحكام القرآن"لابن العربي (2/ 426) .