ويمنع مِنْ إظهارِه، وله عشيرةٌ، فقد صاحَ أبو جَنْدَلٍ بأعلى صَوْتهِ، وهو يَرْسُفُ [1] في الحديدِ: يا معشرَ المسلمين! أُرَدُّ إلى المشركينَ يفتنوني عن دِيني؟! فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"يا أبا جَنْدَلٍ اصبرْ واحتِسبْ؛ فإنَّ اللهَ جاعلٌ لكَ ولِمَنْ معكَ منَ المستضعفين فَرَجًا ومَخْرَجًا" [2] ، وردَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أبا بصيرٍ، ولم يكنْ له عشيرةٌ تمنعهُ، وقتلَ أحدَ الرجلينِ اللذَيْنِ جاءا إليه، فقال: يا رسولَ الله! قد وَفَّيْتَ لَهُم، ونَجّاني اللهُ منهم، فأفهمَه أنه رادُّه إليهم مَرَّةً أخرى إِنْ جاؤوا في طَلَبه، والغالبُ على الظنِّ أنهم يقتلونه إن استَردُّوه وظَفِروه، فلحقَ بالساحلِ، وقصتهُ مشهورةٌ [3] .
ويحتمل أن يقالَ: لا يجوزُ؛ لأن الله سبحانَه جعلَ لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ما لَمْ يكنْ لغيرِه، وجعلَ صُلْحَ الحُديبية لهُ فتحًا مبينًا، أو لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما فعلَ ذلكَ تَعْظيمًا للمسجدِ الحرامِ؛ بدليلِ قوله - صلى الله عليه وسلم - لَمّا حَبَسَ القَصْواءَ حابِسُ اللَّيلِ:"والله لا يَسْأَلونَني خِطَّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أَجَبْتُهُمْ إليها" [4] .
وبهذا قال مالك وأصحابُه، فلا يجوزُ عندَهم رَدُّ المسلمِ بحالٍ [5] .
* ثم نَصَّ اللهُ سبحانَه على تحريمِهِنَّ على المشركينَ، وعلى تحريمِ المشركينَ عليهِنَّ، وهذا أَصرَحُ في التحريمِ من الذي في سورةِ البقرةِ.
(1) رَسَفَ في القيد يرسُفُ ويرسِفُ رسَفًا ورسيفًا وسَفانًا: مشى مشْيَ المقيد. وقيل: هو المشي في القيد رويدًا، فهو راسف."لسان العرب" (مادة: رسف) .
(2) رواه الإِمام أحمد في"المسند" (4/ 325) ، والبيهقي في"السنن الكبرى" (9/ 227) ، وابن عساكر في"تاريخ دمشق" (25/ 300 - 301) ، عن المسور بن مخرمة.
(3) انظر:"الأم"للإمام الشافعي (4/ 248) ، و"السنن الكبرى"للبيهقي (9/ 144) .
(4) رواه البخاري (2581) ، كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، عن المسور بن مخرمة.
(5) ذكر القرطبي في"الجامع لأحكام القرآن" (18/ 63) : أن هذا مذهب الكوفيين، أما مذهب الإِمام مالك فهو الجواز.