وهي على ضربين [1] :
فِعلٌ لا قُرْبَةَ فيهِ، بلْ فَعَلَهُ بطريقِ العادةِ؛ كالأكلِ والشربِ، والنوم والقيامِ، والقعودِ والركوب، فهذا يدلُّ على إباحَتِهِ، وينتفي عنهُ التحريمُ؛ لِعِصْمَتِهِ -صَلَّى الله عليه وسلم -، ولكونه لا يُقَرُّ على الخَطَأ، وينتفي عنه الكراهَةُ؛ لندورِ فِعْلِ المَكروهِ منهُ، وإنْ كانَ قدْ يفعلُهُ لتبيينِ الجَوازِ، أو [2] لغيرِ ذلكَ منَ الوجوهِ.
فهذا عندي، وإنْ كانَ مُباحًا، فَيُستحبُّ لأمَّتهِ متابعَتُه -صَلَّى الله عليه وسلم - فيه؛ لكون عادتِه أَحْسَنَ العاداتِ، ومقرونةً بأَزْكى البركاتِ.
وقد تابعَهُ في ذلكَ كثيرُ من الصَّحابة -رضيَ اللهُ عنهم- وقل مَنْ رأيتُه من المُصنِّفينَ ذَكَرَ اسْتِحْبابَ ذلكَ [3] ، ولكنَّ نَظَرَهُمْ في ذاتِ الفِعْلِ، لا في نفسِ المُتَابَعَةِ.
والضربُ الثَّاني: فعلٌ يظهر فيه قَصْدُ القُرْبَة.
وقَدْ قَدَّمنا أَنَّ مأخَذَ السُّنَّةِ من ثلاثةِ أوجهٍ:
وجهانِ مُتَّفَقٌ عليهِما عندَ أهلِ العلمِ، فيعرف وجوبُ فعله وندبُه من
= و"شرح مختصر الروضة"للطوفي (2/ 678) ، و"البحر المحيط"للزركشي (4/ 191) ، و"الاستعداد لرتبة الاجتهاد"للمؤلف (2/ 824) .
(1) انظر دلالة أفعاله - صلى الله عليه وسلم - في المصادر التالية:"اللمع"للشيرازي (ص: 143) ، و"البرهان"للجويني (1/ 487) ، و"الإحكام"للآمدي (1/ 1/ 227) ، و"بيان المختصر"للأصفهاني (1/ 277) ، و"البحر المحيط"للزركشي (4/ 176) ، و"الاستعداد لرتبة الاجتهاد"للمؤلف (2/ 824) ، و"إرشاد الفحول"للشوكاني (ص: 35) ، و"أصول الفقه الإسلامي"لوهبة الزحيلي (1/ 478) .
(2) في"ب":"و".
(3) وقد نقله الباقلاني عن قوم؛ كما حكاه الغزالي في"المنخول". وانظر:"البحر المحيط"للزركشي (4/ 177) .